بقلم/م.محمد حسين العسكري- ماجستير هندسة مدنية
لم تعد المباني المتضررة في قطاع غزة مجرد منشآت تعرضت لأضرار يمكن تأجيل معالجتها إلى مرحلة إعادة الإعمار، بل أصبح جزء ملموس منها يمثل خطرًا إنشائيًا مباشرًا على حياة السكان. فالمبنى الذي تعرض لأضرار جسيمة ولم يخضع للتقييم أو التدعيم أو الإزالة قد يكون فقد جزءًا من قدرته على تحمل الأحمال، وقد ينتقل من حالة الاستقرار الظاهري إلى الانهيار الجزئي أو الكلي دون إنذار كافٍ.
وتزداد خطورة هذه المشكلة عندما يكون البديل عن المنزل غير الآمن خيمة أو مأوى لا تتوفر فيه شروط السكن الملائم، فيجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: البقاء في مبنى مهدد بالانهيار أو الانتقال إلى مأوى لا يوفر له الحماية والاستقرار.
انهيار مبنى السعادة: جرس إنذار جديد
في 16 سبتمبر 2026، انهار مبنى السعادة في مدينة غزة وهو مبنى سكني متضرر في الحرب الأخيرة، ووفقا لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الانسانية OCHA فقد أودى الانهيار بحياة 21 مواطنًا بحسب الدفاع المدني، بينهم 12 طفلًا، وإصابة العشرات، فيما كان المبنى يؤوي نحو 100 شخص، في ظل استمرار أزمة السكن وغياب البدائل الآمنة.
وأعادت هذه الكارثة تسليط الضوء على مخاطر المباني المتضررة، لا سيما أن وزارة الأشغال حذرت من وجود أكثر من 2000 مبنى آيل للسقوط في القطاع. ولا يمثل هذا الرقم مجرد إحصاءً عمرانيًا، بل يعكس حجم خطر يهدد حياة آلاف السكان، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء.
إن انهيار مبنى السعادة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حادثًا منفردًا، بل مؤشرًا على أزمة إنشائية وإنسانية تتطلب تدخلًا عاجلًا ومنظمًا، قبل أن تتكرر الكارثة في مبانٍ أخرى.
المبنى قد يبقى قائمًا، لكنه لم يعد آمنًا
تتمثل الخطورة الإنشائية للمباني المتضررة في احتمال فقدانها جزءًا من قدرتها الأصلية على مقاومة الأحمال. ففي المباني الخرسانية، تنتقل الأحمال من البلاطات إلى الكمرات (Beams) والأعمدة والجدران الإنشائية، ثم إلى الأساسات والتربة، ضمن ما يعرف بمسار الأحمال (Load Path).
وعندما تتعرض العناصر الإنشائية الرئيسية للتلف، قد يتغير مسار انتقال الأحمال، وتنتقل قوى إضافية إلى عناصر أخرى لم تُصمم لتحملها. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الإجهادات وتراجع معامل الأمان الإنشائي (Factor of Safety)، حتى لو ظل المبنى قائمًا ظاهريًا.
وتشمل مظاهر الضرر المحتملة تشقق الخرسانة وتقشّرها (Spalling)، وانكشاف حديد التسليح أو انبعاجه (Buckling)، وفقدان الترابط (Bond) بين الخرسانة وحديد التسليح، وتضرر الأعمدة والكمرات ونقاط الاتصال بينها (Joints) والأساسات.
وتكمن الخطورة في أن بعض هذه الأضرار قد لا يكون ظاهرًا، وأن بقاء المبنى قائمًا لا يعني بالضرورة تمتعه بالاستقرار الإنشائي أو قدرته على مقاومة الأحمال المستقبلية.
تعدد أسباب الانهيار وتسارع تدهور المباني
تتعرض المباني المتضررة في غزة لمجموعة من العوامل المتداخلة التي قد تؤدي إلى تدهور حالتها الإنشائية، وفي مقدمتها القصف المباشر الذي تعرضت له خلال الحرب، وما نتج عنه من أضرار في العناصر الحاملة.
كما أن القصف المجاور والتفجيرات والاهتزازات الناتجة عنها، قد تشكل عوامل إضافية تؤثر في المباني المتضررة، وإن كان تحديد أثر كل منها يتطلب قياسات ودراسات ميدانية متخصصة.
ويضاف إلى ذلك تعرض المباني للعوامل الجوية، بما فيها الأمطار والرطوبة والتغيرات الحرارية، فضلًا عن استمرار الأحمال على العناصر المتضررة، واحتمال تدهور خصائص المواد الإنشائية بمرور الوقت.
إن اجتماع هذه العوامل قد يؤدي إلى تسارع تدهور المبنى، خصوصًا عندما يكون قد فقد جزءًا كبيرًا من قدرته الإنشائية الأصلية. ومن هنا تبرز أهمية التقييم الهندسي الدوري، وعدم الاكتفاء بالمعاينة البصرية الأولية.
التدعيم أم الإزالة؟ قرار يتجاوز الحسابات الإنشائية
ليس كل مبنى متضرر بحاجة إلى الإزالة الكاملة؛ إذ تتعدد الخيارات الهندسية بين الإصلاح والترميم، والتدعيم الدائم أو المؤقت، والإزالة الجزئية وإعادة البناء، وصولًا إلى الإزالة الكاملة.
ويعتمد الاختيار على نتائج التقييم الإنشائي، ومدى الضرر الذي أصاب العناصر الحاملة، والقدرة المتبقية للمبنى، وإمكانية استعادة كفاءته الإنشائية بصورة آمنة واقتصادية.
وفي بعض الحالات، تكون أعمال التدعيم المؤقت (Shoring) ضرورة أساسية، سواء قبل البدء في الإصلاح أو أثناء عمليات الإزالة، لضمان استقرار المبنى ومنع الانهيار غير المسيطر عليه.
وتوضح التجارب السابقة في غزة أهمية هذا التمييز. ففي حالة برج الأندلس، الذي تعرض لأضرار عام 2009، جرى التعامل مع الأجزاء المتضررة من خلال إزالة جزء من المبنى وصولًا إلى الأساسات وإعادة بنائه، بدلًا من إزالة البرج بالكامل. وتبين هذه التجربة أن الإزالة الجزئية قد تكون خيارًا هندسيًا قابلًا للتطبيق عندما تسمح الحالة الإنشائية بذلك.
أما برج الجوهرة، الذي تضرر خلال حرب عام 2021، فيمثل مثالًا على تعقيد عمليات إزالة الأبراج المرتفعة؛ إذ تطلبت عملية الإزالة مراعاة استقرار المبنى، وتنفيذ أعمال التدعيم اللازمة، وإعداد ترتيبات للسلامة وحركة المرور.
وتؤكد هذه التجارب أن قرار الإزالة لا يمكن أن يستند إلى حجم الضرر وحده، بل يجب أن يراعي إمكانية التدعيم، والتكلفة الاقتصادية، وتوفر المواد والمعدات، والآثار البيئية والاجتماعية، وإمكانية إعادة البناء.
الأثر الاجتماعي والاقتصادي للإزالة
لا تقتصر آثار الإزالة على الموقع الإنشائي، لا سيما حين يقع المبنى في شارع رئيسي أو منطقة تجارية. فقد تستلزم العملية إغلاق الطرق وتحويل حركة المرور، وإغلاق المحلات والأنشطة الاقتصادية المجاورة، وإخلاء المباني المحيطة وإنشاء مناطق عزل، بما يتطلبه ذلك من بدائل سكنية للمتأثرين. وقد تمتد هذه الآثار لأشهر في حالة الأبراج المرتفعة، ويبرز ذلك في برج بنك فلسطين، الذي أُعلن مؤخرًا قرار إزالته، إذ يقع في منطقة الجندي المجهول التجارية وتحيط به خيام النازحين والبسطات والمحال المؤقتة، ما يجعل تأمين محيطه جزءًا أساسيًا من عملية الإزالة.
وعليه، فإن التكلفة الحقيقية للإزالة تتجاوز الهدم وترحيل الركام لتشمل التدعيم، وإدارة المرور، وتعطل الأنشطة التجارية، ونقل السكان وإيواءهم، وإعادة تأهيل الموقع.
غياب البديل يدفع السكان إلى البقاء في المباني الخطرة
يواجه المواطن في غزة معضلة حقيقية في التعامل مع المباني الآيلة للسقوط؛ فمنهم من يدرك خطورة المبنى الذي يسكنه لكنه لا يجد بديلًا، ومنهم من يتجاهل التحذيرات أو يقلل من احتمال الانهيار، ومنهم من يستعين بالمهندسين واللجان الفنية لتقييم منزله، غير أن الجميع يصطدم بعقبة واحدة: غياب البديل السكني الملائم.
فالخيمة لا تمثل لكثير من الأسر بديلًا مقبولًا في ظل قسوة المناخ، وانعدام الخصوصية، وضعف الحماية من المطر والبرد، ونقص الخدمات الأساسية، ويزيد الاكتظاظ وضيق المساحات الآمنة من تعقيد الأمر. لذلك، قد تأتي مطالبة السكان بالإخلاء دون بدائل واقعية بنتيجة عكسية، فتدفعهم إلى البقاء في مبانٍ تهدد حياتهم.
الاستجابة الإنسانية بين الطرود الغذائية والمأوى الآمن
تتركز نسبة كبيرة من التدخلات الإنسانية في غزة على الغذاء والمساعدات الأساسية، وهي تدخلات ضرورية لإنقاذ الأرواح، لكن استمرار أزمة السكن يستدعي توسيع نطاق الاستجابة. فوفق تقييم مجموعة المأوى (Shelter Cluster) المنشور في أغسطس 2026، يحتاج نحو 1.98 مليون شخص، أي 94% من السكان، إلى مساعدات في مجال المأوى والمواد غير الغذائية، ويواجه 58% من السكان احتياجات مأوى حرجة أو كارثية. وتكشف هذه الأرقام أن الأزمة تتعلق بصلاحية المكان للسكن ومستوى الحماية الذي يوفره وإمكانية الوصول إلى المياه والصرف الصحي، لا بمجرد توفير مكان للنوم.
ورغم التدخلات القائمة في إصلاح المنازل وتحسين الملاجئ المؤقتة، فإن حجم الاحتياجات يتطلب توجيه تمويل أكبر نحو معالجة أسباب انعدام الأمان السكني، دون التخلي عن الإغاثة العاجلة. ويشمل ذلك تقييم المباني المتضررة، والتدعيم الإنشائي، وإصلاح المساكن القابلة للتأهيل، وإزالة المباني الخطرة، وتوفير بدائل آمنة للأسر التي يتعذر عليها العودة إلى منازلها.
نقص المعدات والمواد يفاقم الأزمة
تواجه معالجة المباني الآيلة للسقوط تحديات لوجستية كبيرة، أبرزها نقص حاد وندرة في المعدات الثقيلة، والآليات المتخصصة والوقود وقطع الغيار، والقيود المفروضة على إدخال مواد البناء كالحديد والإسمنت والمقاطع الفولاذية والكتل الخرسانية. وتحدّ هذه القيود من القدرة على تنفيذ أعمال التدعيم والإزالة، ولا سيما في المباني المرتفعة أو غير المستقرة التي تتطلب معدات متخصصة وخطط تنفيذ دقيقة، كما تؤخر أعمال الإصلاح وإعادة البناء، مما يجعل توفيرها شرطًا أساسيًا لأي خطة فعالة للحد من المخاطر.
نحو استجابة متكاملة قبل وقوع كارثة جديدة
إن معالجة ملف المباني الآيلة للسقوط تتطلب الانتقال من الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى إدارة المخاطر بصورة استباقية.
ويبدأ ذلك بإنشاء قاعدة بيانات محدثة للمباني المتضررة، وتصنيفها وفق مستوى الخطورة، وإجراء التقييمات الهندسية اللازمة، وتحديد المباني التي تحتاج إلى إخلاء عاجل أو تدعيم أو إزالة.
كما يتطلب وضع خطط تنفيذية واضحة تتضمن توفير المعدات والمواد، وإدارة عمليات الإزالة، وحماية المباني المجاورة، وتأمين حركة المرور، وتوفير بدائل سكنية للسكان المتأثرين.
ويتطلب ذلك تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والبلديات والمؤسسات الهندسية والجهات الدولية الداعمة، كلٌّ ضمن اختصاصه وإمكاناته، إلى جانب تعزيز وعي السكان بالمخاطر وتمكينهم من الوصول إلى المعلومة والبديل الآمن، بما يضمن ألا تتحول المباني المتضررة إلى مصدر متكرر لفقدان الأرواح.
الخلاصة: لا تنتظروا الانهيار
إن المباني الآيلة للسقوط في غزة خطر إنساني قائم لا يحتمل التأجيل إلى مرحلة إعادة الإعمار. والاستجابة الحقيقية تبدأ بتقييم الخطر، لكنها لا تنتهي عند إصدار التقرير الهندسي؛ إذ تتطلب توفير التمويل والمعدات والمواد، وتنفيذ التدعيم أو الإزالة، وتأمين البدائل السكنية، وضمان حق السكان في العودة إلى مساكن آمنة.
فالمأوى الآمن حاجة إنسانية أساسية لا ترفٌ يمكن إرجاؤه، والمواطن في غزة كما يحتاج إلى طرد غذائي يعينه على البقاء اليوم، فإنه بحاجة إلى منزل آمن يحمي حياته غدًا. وأي استجابة لا تضع سلامة المأوى في صلب أولوياتها ستظل تعالج جانبًا من الأزمة، بينما يبقى الخطر قائمًا فوق رؤوس السكان.

