وكالات/ الاقتصادية
ثلاث سنوات مرّت على العدوان الإسرائيلي على لبنان، بعد فتح حزب الله جبهة الإسناد اللبنانية دعماً لغزة، ولا تزال التكلفة مستمرّة، على مختلف المستويات، في ظلّ مواصلة الاحتلال عملياته العسكرية جنوباً، ورفضه الانسحاب من أكثر من 60 قرية وبلدة جنوبية.
وتتجاوز خسائر الحرب عتبة الـ27 مليار دولار بحسب التقديرات والبيانات الأولية غير النهائية، مع ترجيح تغيّر في الأرقام، تصاعدياً، خاصة أنّ إسرائيل لا تزال حتى اليوم توسّع رقعة التدمير في الجنوب، من خلال نسف وتفجير الأحياء والمباني والمساكن، إلى جانب اعتداءاتها على البنى التحتية، والأراضي الزراعية، وذلك على الرغم من اتفاق الإطار الذي وقعته مع لبنان في واشنطن بتاريخ 26 يونيو/حزيران الماضي.
وتشمل هذه الأرقام الخسائر الناجمة عن العدوان الإسرائيلي الثاني على لبنان، في 2 مارس/آذار 2026، وذلك بعد ردّ حزب الله على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي بإطلاقه 6 صواريخ باتجاه مواقع عسكرية إسرائيلية، في عملية كانت الأولى للحزب منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لتتسع رقعة الحرب من جديد، قبل أن تعود وتنحصر الاعتداءات الإسرائيلية جنوباً، بعد توقيع اتفاق الإطار برعاية الولايات المتحدة.
في الإطار، يقول الدكتور ناصر ياسين، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لـ"العربي الجديد"، إن التقديرات تشير إلى أن التكلفة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول لغاية اليوم تتجاوز 27 مليار دولار، وتتوزع بين خسائر مباشرة مرتبطة بالدمار والضرر الذي لحق منازل ومساكن ومباني وبنى تحتية، وخسائر لها علاقة بالقطاع الزراعي، التجاري، الاقتصادي وغيرها.
ويلفت ياسين إلى أن معظم الخسائر مركزة في الجنوب سواء على صعيد تدمير وتجريف المباني والمساكن والمؤسسات وكذلك على مستوى القطاع الزراعي، إلى جانب الأضرار التي سُجلت أيضاً في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع شرقي البلاد، لافتاً إلى أن عدد المنازل التي هدّمت أو بحاجة لهدم كلّي في هذه الحرب وصل إلى نحو 132 ألفاً، وهناك 47 ألف هدم جزئي، وهذه الأعداد يمكن الاستناد اليها لتقدير الكلفة المباشرة المتصلة بإعادة الإعمار.
كذلك، يشير ياسين إلى أن هناك اليوم بحدود 65 قرية وبلدة محتلة في الجنوب ويحصل فيها تدمير وتجريف بشكل مستمرّ.
وكان ياسين وزيراً للبيئة في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، التي جرت بعهدها مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل أدت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، لكن الاحتلال خرقه آلاف المرّات. ويشير ياسين هنا إلى أن الوضع مختلف، هناك منطقة أمنية، واحتلال وسيطرة إسرائيلية على نحو 65 قرية، ومنطقة أبادتها ودمرتها إسرائيل بشكل كامل، بالتالي، أصبح النقاش بمكان مختلف.
دمار طاول الزراعة
كذلك، يعدّ القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تضرّراً في لبنان من جراء الاعتداءات الإسرائيلية جنوباً، حيث أعلن وزير الزراعة نزار هاني في سبتمبر/أيلول الماضي عن تضرّر أكثر من 22.5% من الأراضي الزراعية، أي أكثر من 56 ألف هكتار.
وقالت مصادر في وزارة الزراعة لـ"العربي الجديد"، إن "إسرائيل ركزت في حربها على لبنان منذ عام 2023 على ضرب الأراضي والمساحات الزراعية، ولا تزال حتى اليوم تواصل اعتداءاتها على الأشجار والأراضي الزراعية، مستخدمة مختلف أنواع الأسلحة حتى المحرّمة دولياً، وهو أمر يقضي من ناحية على الأرض والزرع، كما على مصدر رزق آلاف المزارعين، من دون أن ننسى أن الزراعة هي المصدر الأساسي لغالبية سكان القرى الجنوبية الحدودية".
وأشارت المصادر إلى أن "هذه الأرقام مرجّح طبعاً أن ترتفع لأن الاحتلال يواصل اعتداءاته بشكل يومي، وهو يحتل ويسيطر بالنار على أكثر من 60 قرية"، لافتة إلى أن أشجار الزيتون والموز والحمضيات هي الأكثر تضرراً، مشيرة إلى أن سيطرة إسرائيل بالنار على العديد من القرى الحدودية، يمنع كذلك المزارعين في الكثير من البلدات غير المحتلة، من الوصول إلى أراضيهم الزراعية وتفقّدها، ما يعرّضهم أيضاً لخسائر.
وفي تقارير صادرة عن وزارة الزراعة، فإن صغار المزارعين كانوا الفئة الأكثر تضرّراً، إذ تشكّل الحيازات الزراعية الصغيرة نحو 80% من إجمالي الحيازات الزراعية في الجنوب، ما يعكس حجم التأثير المباشر على الأمن المعيشي والاقتصاد المحلي للأسر الريفية.
4 خسائر أساسية
من جهته، لفت الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا بحديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن لبنان خسر بسبب الحرب الفرصة البديلة، وهذه خسارة لا تعوّض، مشيراً إلى أن هناك خسائر مباشرة باتت معروفة، لكن هناك خسائر غير مباشرة قد تكون أكبر بكثير وتداعياتها ستمتدّ لفترة زمنية أطول.
وركز أبو شقرا في حديثه على 4 خسائر أساسية، الخسارة الأولى، هي خسارة الفرصة البديلة، فلبنان وصل ببداية عام 2025 مثلاً إلى ناتج محلي اجمالي قدّر بـ31.7 إلى 32 مليار دولار، وكان يعوّل عام 2026 على تحقيق نمو بنسبة 5 أو 6 أو حتى 7 في المائة، ما يعني ارتفاع الناتج المحلي لحوالي 38 أو 39 مليار دولار، وهذا رقم قريب من الناتج الذي قدّر قبل الانهيار الذي حصل عام 2019 بـ54 مليار دولار، إلا أن تفاقم الأحداث عام 2026 جعل الاقتصاد اللبناني ينكمش بنسبة 6.2%، ما يعني أن الناتج المحلي سيتدنى هذا العام لأقل من 30 مليار دولار، وهذا له تداعيات كبرى خاصة على نظرة وتعاطي المؤسسات الدولية، النقدية والمقرضين مع لبنان.
ويضيف أن "الخسارة الثانية، هي ميزان المدفوعات، حيث إنه من عام 2024 إلى منتصف 2026، سجلنا قفزات كمية ونوعية بالميزان وحققنا فائضاً، وهنا نتحدث عن التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية الداخلة إلى البلد مقارنة مع تلك الخارجة، إلا أنه بعد شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب بشكل خاص لمسنا عجزاً بحوالي 2 إلى 3 مليارات دولار".
أما الخسارة الثالثة بحسب أبو شقرا فهي عودة العجز الكبير بالميزان التجاري، حيث كان العجز في الأشهر الثمانية الأولى في هذا العام بحدود 9 إلى 10 مليارات دولار، وهذا يعود لأمرين، أولاً، لم نستورد أكثر لكن قيمة ما استوردناه باتت أكبر نتيجة التضخم العالمي وارتفاع كلفة النقل والتأمين، وثانياً تراجع التصدير.
ويتابع أبو شقرا: "الخسارة الرابعة تتصل بعجز لبنان عن استقطاب السياح، بحيث تراجع عدد القادمين إليه عام 2026 بنسبة 26%، ومعظمهم لبنانيون مغتربون وليسوا سياحاً، الأمر الذي انعكس على القطاع الفندقي والسياحي الذي تضرّر أيضاً بارتفاع الكلفة التشغيلية، وقد لوّحت العديد من المؤسسات السياحية بالإقفال، علماً أن لبنان يعتمد اقتصاده بشكل كبير على هذا القطاع، وكان مردوده وصل في سنوات سابقة إلى نحو 11 مليار دولار، هذا عدا أيضاً عن تراجع أو عدم تدفق الاستثمارات إلى لبنان".

