اليوم الأحد ١١ أكتوبر ٢٠٢٦م

إسرائيل أمام أزمة ديون تمتد إلى أجيال.. 405 مليارات شيكل كلفة الحرب

اليوم, ٨:٣٢:٤١ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

تواجه دولة الاحتلال تداعيات اقتصادية ومالية متصاعدة جراء الحرب، مع ارتفاع الدين العام وتزايد النفقات العسكرية وتفاقم الضغوط على قطاعي الصحة والتعليم، وسط تحذيرات من أن استمرار هذه الأعباء سيحد من قدرة الاقتصاد على مواجهة أزمات جديدة، ويحمل الأجيال المقبلة جزءا متزايدا من فاتورة الحرب.

وذكرت صحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية أن التكلفة الإجمالية للحرب خلال الفترة الممتدة من عام 2023 إلى عام 2026 بلغت نحو 405 مليارات شيقل، أي ما يعادل 132.6 مليار دولار، وفق تقديرات قدمها محافظ بنك إسرائيل أمير يارون في نيسان الماضي. وتشمل هذه التقديرات النفقات والالتزامات المالية المرتبطة بالعمليات العسكرية خلال تلك الفترة.

وبحسب البيانات التي أوردتها الصحيفة استنادا إلى تقديرات بنك إسرائيل، شكّلت النفقات العسكرية نحو 73% من إجمالي تكلفة الحرب، مقابل 14% للنفقات المدنية الأخرى، و8% لمدفوعات صندوق تعويضات أضرار الممتلكات، و3.5% لمدفوعات الفوائد، مع استمرار وجود التزامات مالية لم تسدد بالكامل.

وأشارت "كالكاليست"، نقلا عن التقرير السنوي لبنك إسرائيل، إلى أن نحو نصف تكاليف الحرب جرى تمويله بالاقتراض، عندما كانت التقديرات تشير إلى تكلفة تبلغ 350 مليار شيقل، بما يعادل 114.6 مليار دولار، قبل احتساب قرارات الإنفاق العسكري الإضافية التي اتخذت لاحقا.

ولم تقتصر الأعباء على الاقتراض الحكومي، إذ تحمل الإسرائيليون جانبا منها عبر الضرائب وفقدان الدخل والخدمة العسكرية الاحتياطية، فضلا عن إجراءات ضريبية دخلت حيز التنفيذ عام 2025، تعادل نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتتوقع التقديرات ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 70% خلال عامي 2026 و2027، مقارنة بنحو 60% قبل الحرب. وترى الصحيفة أن هذا المسار يضع المالية العامة أمام قيود متزايدة، مع تخصيص حصة أكبر من الإيرادات المستقبلية لسداد فوائد الدين، بالتزامن مع استمرار الإنفاق العسكري عند مستويات مرتفعة.

ويعني ذلك، وفق التقرير، تقلص قدرة الحكومة على الاستجابة لصدمات اقتصادية جديدة أو تمويل احتياجات إضافية، في وقت لا تزال فيه الالتزامات المرتبطة بالحرب قائمة.

ورغم التحسن المسجل في بعض المؤشرات الاقتصادية، حذرت "كالكاليست" من أن التعافي لا يعوّض الخسائر التي تكبدها الاقتصاد، ولا يعيد بالضرورة مسار النمو الذي كان يمكن تحقيقه في غياب الحرب.

وبحسب بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، تجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، في نهاية عام 2025، مستواه المسجل في الربع الثالث من عام 2023 بنحو 2.1%. كما بلغ معدل البطالة 2.8% في آب، فيما استقرت علاوة المخاطر عند نحو 61 نقطة.

وتوقعت تقديرات أوردتها الصحيفة نمو الاقتصاد بنسبة 4% في عام 2026 و5% في عام 2027، مقارنة بنمو حقيقي تراكمي بلغ 15.6% خلال عامين بعد جائحة كورونا.

لكن الصحيفة لفتت إلى اختلاف الظروف الراهنة عن مرحلة التعافي التي أعقبت الجائحة، إذ لا يزال الاقتصاد يواجه أعباء الإنفاق العسكري والخدمة الاحتياطية وإعادة التأهيل، ما يحد من قدرة النمو على تخفيف الضغوط المالية.

فبعد الجائحة، تراجعت نسبة الدين العام من 70% إلى 60% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامين، وسجلت الموازنة فائضا بلغ 0.6% في عام 2022، مع بقاء نحو 10 مليارات شيقل، أي 3.3 مليارات دولار، في الخزينة. أما في المرحلة الحالية، فتواجه الحكومة التزامات عسكرية وصحية واجتماعية مستمرة، إلى جانب ارتفاع كلفة الاقتراض.

 

الصحة النفسية تحت ضغط تداعيات الحرب

ولا تقتصر آثار الحرب على المؤشرات المالية، بل تمتد إلى الخدمات الصحية والاحتياجات النفسية، بما ينذر بتكاليف إضافية للعلاج وإعادة التأهيل في السنوات المقبلة.

وأظهرت بيانات صندوق المرضى الإسرائيلي "كلاليت"، الذي يقدم خدمات لنحو 5 ملايين مؤمّن، ارتفاع مراجعات الأطفال والمراهقين لأقسام الطوارئ النفسية بنسبة 121% خلال السنة الثالثة للحرب، مقارنة بفترة الأساس.

ونقلت "كالكاليست" عن بيانات الاتحاد العام لنقابات العمال في دولة الاحتلال أن فترات انتظار العلاج النفسي وصلت إلى عام كامل، واقتربت من عامين في المناطق الطرفية.

كما ظلت معدلات التشخيص الجديدة لاضطراب ما بعد الصدمة بين النازحين من جنوب فلسطين المحتلة أعلى بستة أضعاف، في حين أظهرت المؤشرات المتعلقة بانتظام ضغط الدم لدى النازحين من الجنوب تدهورا تراوح بين 30% و53.7% خلال السنوات الثلاث.

وحذرت الصحيفة من أن استمرار هذه التداعيات قد يزيد الإنفاق على الرعاية الصحية والتأهيل، فضلا عن انعكاساته المحتملة على الإنتاجية والقدرة على العمل والدخل في المستقبل، ما يضيف أعباء جديدة إلى المالية العامة.

وفي قطاع التعليم، أشارت نتائج اختبارات بيزا 2025، المنشورة في أيلول، إلى تسجيل دولة الاحتلال أدنى مستويات أداء لها على الإطلاق في الرياضيات والقراءة والعلوم.

وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لم يبلغ 46% من الطلاب الإسرائيليين مستوى الكفاءة الأساسية في الرياضيات، مقابل 41% في القراءة.

وأوضحت "كالكاليست" أن التراجع التعليمي بدأ قبل الحرب، وأن نتائج الاختبارات لا تفصل تأثير الحرب وحدها عن العوامل الأخرى، إلا أن اضطرابات الدراسة والنزوح أسهما في تفاقم التحديات القائمة.

وحذرت الصحيفة من أن ضعف التحصيل الدراسي قد ينعكس على فرص العمل ومستويات الأجور والإيرادات الضريبية مستقبلا، في وقت تتزايد فيه حاجة الدولة إلى موارد مالية لتغطية خدمة الدين والإنفاق العسكري والاحتياجات الاجتماعية.

ويمثل تراجع المهارات التعليمية خطرا طويل الأمد على رأس المال البشري، إذ قد يحدّ من قدرة الاقتصاد على رفع الإنتاجية وتوسيع قاعدة الإيرادات التي تحتاج إليها الحكومة للوفاء بالتزاماتها المتراكمة.

وخلصت "كالكاليست" إلى أن حكومة الاحتلال المقبلة ستواجه ثلاثة تحديات مترابطة: ارتفاع الدين العام واستمرار الإنفاق العسكري، وتزايد الاحتياجات الصحية وإعادة التأهيل، وتراجع مؤشرات التعليم وما يرتبط بها من مخاطر على رأس المال البشري.

وأكدت الصحيفة أن تحسن الناتج المحلي الإجمالي وأداء الأسواق المالية لا يعني انتهاء التداعيات الاقتصادية للحرب، مشيرة إلى أن آثارها قد تستمر حتى بعد تراجع العمليات العسكرية، من خلال أعباء الدين وتكاليف الرعاية الصحية والخسائر المرتبطة بالإنتاجية والتعليم.

وحذرت من أن عدم معالجة هذه الالتزامات قد يؤدي إلى انتقال جزء أكبر من كلفة الحرب إلى الأجيال المقبلة، في صورة ديون مرتفعة وقدرة أضعف على توليد الإيرادات اللازمة لسدادها، بما يضيق الخيارات المالية المتاحة أمام الحكومات المستقبلية.