غزة/ الاقتصادية
أظهرت بيانات حديثة صادرة عن وزارة المالية والتخطيط تراجعاً ملموساً في حجم الإيرادات والنفقات بعد نهاية تموز الماضي أي خلال الشهور السبعة الأولى من العام الجاري مقارنة مع الفترة المناظرة من العام الماضي.
تراجع في الإيرادات
وتبين من البيانات التي أطلعت عليها "اقتصاد صدى" أن إجمالي إيرادات الخزينة العامة خلال الشهور السبعة الأولى من العام الجاري بلغت على أساس التزام نحو 8.41 مليار شيقل مقابل 8.85 مليار شيقل في الفترة المناظرة من العام الماضي أي بنسبة تراجع 4.97%، بينما بلغت قيمة الإيرادات على أساس نقدي نحو 4.82 مليار شيقل مقابل 7.55 مليار شيقل في الفترة المناظرة من العام الماضي أي متراجعة بنسبة 36.1%، ويعود السبب الأول لهذا التراجع عدم تحويل أية أموال من ضريبة المقاصة التي تحتجزها إسرائيل للشهر الثامن عشر على التوالي، والتي تشكل نحو 68% من إجمالي إيرادات السلطة الفلسطينية.
انخفاض في النفقات
أما على صعيد النفقات، فقد بلغت في نهاية تموز على أساس التزام نحو 8.77 مليار شيقل مقابل 9.85 مليار شيقل في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بنسبة تراجع 10.9%، بينما بلغت النفقات على أساس نقدي نحو 5.95 مليار شيقل بعد نهاية تموز مقارنة مع 7.80 مليار شيقل في الفترة المناظرة من العام الماضي، مسجلة تراجعاً بنسبة 23.71%.
انخفاض في قيمة المقاصة المحتجزة
ورغم أن أموال المقاصة محتجزة بالكامل، غير أن قيمتها تراجعت أيضاً خلال هذه الفترة، إذ بلغت نحو 5.60 مليار شيقل مقابل 6.14 مليار شيقل خلال الفترة المناظرة من العام الماضي، أي بنسبة تراجع 8.7%، كما أن الأموال المحتجزة بعد الاقتطاعات بلغت بعد نهاية تموز الماضي نحو 3.62 مليار شيقل مقابل 1.35 مليار شيقل بعد تموز من العام الماضي أي أن الأموال المحتجزة تضاعفت بنسبة 168% في الشهور السبعة الأولى من هذا العام مقارنة مع الفترة المماثلة من العام الماضي.
أما على صعيد الإيرادات المحلية فقد بلغت بعد تموز الماضي نحو 2.98 مليار شيقل (على أساس نقدي) بينما بلغت في الفترة المناظرة من العام الماضي نحو 2.92 مليار شيقل أي هناك تحسناً طفيفاً في إجمالي الإيرادات المحلية بنسبة 2%.
تراجع في دعم الموازنة
وبخصوص الدعم المباشر للموازنة، فقد بلغت بعد نهاية تموز الماضي نحو 833 مليون شيقل مقابل مساعدات وصلت للخزينة العامة بنحو 1.183 مليار شيقل خلال الفترة المناظرة من العام الماضي أي هناك تراجع بنسبة 29.58% في إجمالي المساعدات التي وصلت للخزينة العامة مقارنة مع حجم المساعدات في الفترة المناظرة من العام الماضي.
يشار إلى أن الفرق بين أساس الاستحقاق والأساس النقدي يرتبط بتوقيت تسجيل العمليات المالية. ففي أساس الاستحقاق يتم الاعتراف بالإيرادات والمصروفات في اللحظة التي يحدث فيها الحدث الاقتصادي، أي عند تقديم الخدمة أو اكتساب الحق في الإيراد، حتى لو لم يتم استلام النقد فعلياً بعد. هذا الأسلوب يعكس الصورة الحقيقية للأداء المالي خلال الفترة المحاسبية لأنه يربط الإيرادات بالمصروفات التي ساهمت في تحقيقها.
أما الأساس النقدي فيعتمد فقط على التدفقات النقدية الفعلية، أي أن الإيرادات تُسجّل عند استلام المبلغ نقداً، والمصروفات عند الدفع فعلياً. هذا يعني أن القوائم المالية تعكس فقط ما تم إنفاقه أو تحصيله فعلاً، دون النظر إلى الالتزامات أو الحقوق المستقبلية، مما يجعلها أبسط ولكنها أقل دقة في تصوير النتائج الفعلية للأعمال.
تجفيف للتدفقات النقدية
وتعقيباً على هذه البيانات، يقول الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس لـ"اقتصاد صدى" إنها تظهر تجفيفاً لشريان الحياة المالي الذي يمد السلطة الفلسطينية بالتدفقات النقدية، مشيراً إلى أن ذلك يتضح من خلال قيام إسرائيل للعام الثاني باحتجاز أموال المقاصة بشكل كامل.
وأضاف: "هناك خطوات تقشفية قامت بها السلطة الفلسطينية على حساب التنمية"، منوهاً إلى أن هذا مؤشر قد يفيد هذه المرحلة، لكنه قد يشكل خطورة كبيرة في المراحل الاقتصادية القادمة، ما يؤدي إلى انكماش النفقات.
ولفت إلى أن النفقات انكمشت قسراً نتيجة المعيقات في التدفقات النقدية للخزينة العامة، موضحاً أن البيانات تظهر الصمود المالي للسلطة الفلسطينية على صعيد الإيرادات المحلية وإدارة المرحلة من خلال التفدقات النقدية الواردة، مع استبعاد جميع الإيرادات الرسمية التي كانت تعتمد عليها السلطة الفلسطينية سابقاً.
ونوه د. أبو الروس إلى نقطة تتعلق بانكشاف الغطاء الدولي، فبالرغم من أن الدعم الدولي كان يشكل نسبة كبيرة، غير أن هذه المرحلة شهدت انكشافاً في الغطاء الدولي حيث إنه قبل نحو (20) عاماً كان الدعم الدولي يمثل نسبة مهمة من إيرادات السلطة الفلسطينية، ولكن واضح في هذه المرحلة أنه انخفض مقارنة مع فترات سابقة.
استنزاف لهوامش المناورة
ويخلص د. أبو الروس إلى أن البيانات المالية تثبت أن السلطة الفلسطينية استنزفت كافة هوامش المناورة التقليدية سواء كانت بالاستدانة من البنوك المحلية أو تأجيل مستحقات القطاع الخاص أو تجزئة الرواتب، منوهاً إلى أن الخطر القادم يتمثل في هذا الانكماش النقدي الحاد، الذي سيفضي إلى عدم قدرة السلطة الفلسطينية القيام بخدماتها الأساسية سواء صحة أو تعليم أو أمن، لأن السلطة الفلسطينية حينما أقرت موازنة العام2026 أقرتها ضمن سياسة صفر توظيف وتعيين، وهذا من شأنه أن يضر بالاقتصاد الفلسطيني على المدى البعيد، ما يتطلب ضغطاً دولياً فورياً للفاراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، لأن هناك حالة شبه شلل هيكلي في المنظمة المالية الفلسطينية.
المالية العامة تدار وفق ما يتوفر من نقد
يؤكد الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري لـ"اقتصاد صدى" أن بيانات الشهور السبعة الأولى تكشف أن المالية العامة الفلسطينية باتت تُدار وفق ما يتوفر من نقد في الخزينة لا وفق الموازنة. فالإيرادات على أساس الالتزام تراجعت بأقل من 5%، بينما تراجعت على الأساس النقدي بأكثر من 36%. وهذا يعني أن الحكومة تملك حقوقاً مالية على الورق لا تستطيع تحصيلها، وأن جوهر الأزمة سياسي يتمثل في احتجاز أموال المقاصة للشهر الثامن عشر على التوالي.
تقشف قسري
وفي جانب النفقات، أشار د. صبري، إلى أن الفرق بين الملتزم به والمدفوع فعلياً بلغ نحو 2.82 مليار شيقل. ورغم أن هذا الفرق قد يتأثر بتسويات محاسبية، فإنه يعكس ضغوطاً متزايدة لتراكم المتأخرات المستحقة للموظفين والقطاع الخاص وصندوق التقاعد. كما أن تراجع النفقات بنسبة 10.9% يبدو أقرب إلى تقشف قسري منه إلى ترشيد مخطط.
أما تراجع قيمة المقاصة نفسها بنسبة 8.7%، فقد يشير إلى ضعف في النشاط الاقتصادي والواردات، وإن كانت حصيلتها تتأثر أيضاً بعوامل ضريبية وإدارية.
وسجلت الإيرادات المحلية نمواً اسمياً محدوداً بنحو 2%، وتقييم أدائها الحقيقي يتطلب مقارنته بمعدل التضخم. ويتزامن ذلك مع تراجع الدعم الخارجي بنحو 30%.
المطالبة بالضغط للإفراج عن أموال المقاصة
وأكد د. صبري أن الخروج من هذا المأزق يتطلب تحركاً دبلوماسياً منسقاً مع الشركاء الدوليين للإفراج عن الأموال المحتجزة التي تضاعفت بنسبة 168%، بالتوازي مع خطة شفافة لإدارة المتأخرات وجدولتها بما يحدّ من انتقال الضغوط إلى القطاع المصرفي.
كما تبرز الحاجة إلى رقمنة الجباية وتوسيع القاعدة الضريبية بدل تحميل الملتزمين أعباء إضافية، وإلى حشد تمويل عربي ودولي مستقر ومتعدد السنوات يُخرج المالية العامة من إدارة الأزمة شهراً بشهر. كما قال.
ولفت إلى أن خطورة الأزمة الراهنة لا تكمن فقط في تراجع الإيرادات أو عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها، وإنما في انتقال الاختناق المالي من الخزينة العامة إلى مختلف مكونات الاقتصاد الفلسطيني. فكل راتب غير مكتمل يعني استهلاكاً أقل، وكل مستحق مؤجل للقطاع الخاص يعني سيولة أقل وقدرة أضعف على التشغيل والاستثمار. ومع استمرار احتجاز المقاصة وتراجع الدعم الخارجي، يصبح الاقتصاد أمام حلقة انكماشية تتغذى على نفسها. ولذلك فإن الإفراج عن الأموال المحتجزة، وإدارة المتأخرات بشفافية، وتأمين تمويل مستقر، لم تعد مجرد خيارات مالية، بل ضرورات لحماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
البيانات متوقعة
من جانبه، يقول مؤيد عفانة الخبير في المالية العامة لـ"اقتصاد صدى" إن هذه البيانات متوقعة في ظل إقرار موازنة العام2026 كموازنة طوارئ تعتمد على التدفقات النقدية المتاحة؛ والتي بدورها انكمشت بشكل دال بسبب احتجاز اسرائيل لكافة أي ايرادات المقاصة؛ والتي قدرت بحوالي (3.2) مليار دولار في موازنة العام 2026؛ ما أفقد الموازنة العامة اهم مواردها المالية؛ وبالتالي أثر على قدرة الحكومة على الانفاق وخاصة على الأساس النقدي؛ علاوة على تأثر الايرادات بتراجع دورة الاقتصاد ككل؛ خاصة إثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية؛ والقيود الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني؛ وتراجع الناتج المحلي الإجمالي في العام 2026 مقارنة بالعام 2025؛ بنسبة 8% في الربع الأول من العام 2026 وبنسبة 1% في النصف الثاني من العام 2026. ما انعكس سلباً على إيرادات المالية العامة؛ كذلك فإن وزارة المالية والتخطيط على مدار سنوات الأزمة وخاصة ما بعد احتجاز كافة ايرادات المقاصة منذ شهر أيار 2025 استنفدت العديد من مواردها؛ ومنها دفع الضرائب مقدماً قبل بداية السنة المالية؛ ما أظهر الإيرادات بشكل منخفض.أما بالنسبة لانخفاض النفقات فهو متوقع في ظل اعتماد وزارة المالية والتخطيط لخطة ترشيد نفقات في العام 2026؛ وانخفاض نسبة صرف الرواتب تبعاً لاحتجاز كافة إيرادات المقاصة.

