اليوم الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦م

الخطأ في التحويل المالي عبر المحافظ الإلكترونية والإجراءات القانونية والعملية لاسترداد الأموال المحولة بالخطأ.

اليوم, ١٠:٠٩:٤٦ م
محمد سالم أبو يوسف

بقلم/ د.محمد سالم أبو يوسف- باحث أكاديمي وخبير مالي 

 

تعد ظاهرة تحويل الأموال بطريق الخطأ عبر التطبيقات الإلكترونية والمحافظ الرقمية المرخصة من سلطة النقد الفلسطينية وقائع متكررة في المعاملات المالية الحديثة وقد استقر في أذهان البعض انطباع خاطئ مفاده أن استرداد المبالغ المحولة يخضع لإرادة المستلم أو مشيئته في حين يقرر القانون الفلسطيني حماية صارمة للذمة المالية عبر مسارات جزائية ومدنية قاطعة.

ويؤدي امتناع المستلم عن رد المبلغ المحول إليه بطريق الخطأ في التشريع الفلسطيني مع علمه بعدم استحقاقه له إلى نفي حسن النية وتحويل الواقعة إلى شقين مدني وجزائي ويمثل الشق المدني في (قبض غير المستحق / الإثراء بلا سبب) والتي تُنظم أحكام القانون المدني الفلسطيني واقعة "قبض غير المستحق" (المادة 201 وما يليها) باعتبارها صورة من صور الإثراء بلا سبب (الفعل النافع) إذ تنص القواعد على أن كُل من تسلم على سبيل الوفاء ما ليس مستحقاً له وجب عليه رده ويثبت للمحول حق مطالبة المثرى ببدل الاسترداد والتعويض عن الأضرار اللاحقة بذمته المالية.

بينما يتمثل الشق الجزائي في (الاستيلاء غير المشروع وكتم مال الغير) حيث تخضع الواقعة جزائياً لأحكام قانون العقوبات النافذ بالتكامل مع قانون الجرائم الإلكترونية رقم (16) لسنة 2018 وتعديلاته حيث يُشكل حيازة المال المحول إلكترونياً بالخطأ والامتناع عن رده بقصد تملكه جريمة "كتم مال أسقط في يد الجاني خطأً" أو "الاستيلاء على مال الغير دون وجه حق باستعمال وسيلة تقنية". 

وهي جرائم يعاقب عليها القانون الفلسطيني بالحبس والغرامة المالية مع إلزام الجاني بالرد والتعويض.

 لقد استقرت المبادئ الصادرة عن محكمة النقض الفلسطينية على أن حيازة المال الصائر إلى الشخص بطريق السهو أو الخطأ تتحول إلى حيازة غير مشروعة بانتهاء مهلة المطالبة وامتناعه عن الرد مما يوجب قيام المسؤولية الجزائية والمدنية بحقه.

ويلزم لاسترداد الأموال المحولة بالخطأ تتبع المسار الإجرائي التالي أمام الجهات المختصة:

المرحلة الأولى: الإجراءات الفورية والشرطية

 - تقديم بلاغ لشركة المحفظة الإلكترونية: التبلّغ الفوري عبر خدمة العملاء الخاصة بالمحفظة المرخصة من سلطة النقد لتسجيل شكوى رسمية وتوثيق المعاملة الإلكترونية (Transaction Slip / ID).

 - تقديم شكوى لدى إدارة المباحث العامة (وحدة الجرائم الإلكترونية): التوجه إلى فرع الشرطة الفلسطينية المختص (وحدة الجرائم الإلكترونية)، وتحرير شكوى رسمية مرفقة بإثبات التحويل (Screenshot/Statement) ورقم المراجعة لدى الشركة.

- المخاطبات القضائية والأمنية: تتولى النيابة العامة أو المباحث العامة مخاطبة الشركة المشغلة والمؤسسات المالية لاستصدار قرار بالاستعلام عن البيانات الشخصية لصاحب المحفظة المستلمة (الاسم الرباعي، رقم الهوية، ومكان الإقامة).

المرحلة الثانية: الإخطار العدلي بواسطة كاتب العدل

 - توجيه إخطار عدلي: يتولى المحامي إرسال "إخطار عدلي" رسمي عبر دائرة كاتب العدل في المحكمة المختصة إلى عنوان المستلم الثابت.

 - مضمون الإخطار: تكليف المستلم ببدل المبلغ المحول خلال مدة محددة (غالباً 7 أيام) مع تنبيهه صراحةً إلى أن امتناعه يُشكل جُرماً جزائياً يستوجب الملاحقة القضائية المطالبة بالتعويض وتكبيده كافة المصاريف والأتعاب.

 - الأثر الإجرائي: يُسهم الإخطار العدلي في حسم أسرع للنزاع ودياً في معظم الحالات، لتفادي الآثار المترتبة على تحريك الدعوى الجزائية.

المرحلة الثالثة: تحريك الدعوى القضائية (عند الامتناع)

في حال فوات مهلة الإخطار دون رد المبلغ:

 - تحريك الدعوى الجزائية: تحال الشكوى من النيابة العامة إلى محكمة الصلح المختصة لملاحقة المتهم جزائياً.

 - الادعاء بالحق المدني: يتقدم المتضرر بادعاء بالحق المدني تَبَعاً للدعوى الجزائية، مطَالباً بالحبس، وإلزام المدعى عليه برَد أصل المبلغ المالي، والتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية، إضافة إلى الفوائد القانونية (إن وُجدت) وأتعاب المحاماة والرسوم.

 - قوة الدليل التقني: تُحسم الدعوى بناءً على السجلات التقنية الموثوقة الصادرة عن شركة المحفظة والمعتمدة رسمياً أمام القضاء الفلسطيني.

وختاما فإن الأموال التي تدخل الذمة المالية عن طريق الخطأ لا تُنشئ لأصحابها أي حق قانوني بل تُكلفهم تبعات قضائية ثقيلة تبدأ بالمساءلة الجزائية ولا تنتهي إلا برد المبلغ مضاعفاً بالتعويض والمصاريف فضلاً عن صدور حكم جزائي يؤثر على "شهادة عدم المحكومية" والسجل العدلي للشخص المتورط في عدم الرد.

فرد المال غير المستحق واجب شرعي وقانوني يُجنب صاحبه الملاحقة القضائية وضياع الحقوق.