اليوم السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦م

هل يبحث الفلسطينيون عن خيارات سياسية خارج الأطر الحزبية التقليدية؟

اليوم, ٥:٠٢:٥٢ م
محمود صبرة

بقلم/ محمود صبرة

تكشف نتائج استطلاع الانتخابات الفلسطينية الصادر عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في تشرين الأول/أكتوبر 2026 عن اهتمام ملحوظ بالخيارات المستقلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتتواصل الأسئلة بشأن قدرة المؤسسات السياسية القائمة على الاستجابة لتطلعات الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، يبرز بشار المصري بوصفه إحدى الشخصيات الاقتصادية التي اختبر الاستطلاع حضورها في المنافسة الانتخابية، من خلال قائمة مستقلة تجمع بين خلفيته في الاستثمار والتنمية وبين برنامج يتصل بالتعافي الاقتصادي وتحسين ظروف المعيشة.

لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الفلسطينيون قد اتخذوا قراراً جماعياً بالانتقال إلى البدائل المستقلة، وإنما ما الذي يجعل هذه البدائل موضع اهتمام، وما الشروط التي ينبغي أن تتوافر فيها حتى تتحول إلى خيارات سياسية قابلة للاستمرار.

 

مساحة متنامية خارج الانتماء الحزبي

وفق نتائج الاستطلاع، قال 33% من المستجيبين إنهم لا يؤيدون أياً من الخيارات الحزبية المعروضة عليهم، وهي النسبة الأعلى بين الإجابات في سؤال الانتماء الحزبي المباشر، وارتفعت هذه النسبة في الضفة الغربية إلى 48%، مقابل 11% في قطاع غزة، في المقابل، بلغت نسبة التأييد المباشر لحركة فتح 22% وحركة حماس 19%، كما أبدى 56% من المستجيبين استعدادهم للتصويت لقائمة مستقلة جديدة تضم شخصيات مهنية واقتصادية ووطنية، مقابل 25% رفضوا ذلك، فيما بقي 19% من دون موقف محسوم.

وتكشف هذه الأرقام عن وجود اهتمام واضح ببدائل غير حزبية، والابتعاد عن الانتماء الحزبي الذي يرتبط بأسباب متعددة، منها عدم الرضا عن الأداء السياسي أو الأولويات الاقتصادية أو الرغبة في تجديد القيادات أو عدم الاقتناع بالخيارات المتاحة.

 

لماذا يبرز اسم بشار المصري؟

يرتبط اسم بشار المصري بتجربة اقتصادية امتدت لعقود عبر قطاعات ومشاريع متعددة، أبرزها مدينة روابي ومجموعة من الشركات والاستثمارات في قطاعات العقارات والتكنولوجيا والخدمات المالية والزراعة وغيرها، وتمنح هذه التجربة اسمه حضوراً في النقاش المتعلق بإمكانية توظيف القطاع الخاص في خلق فرص العمل وجذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية وتوسيع النشاط الاقتصادي الفلسطيني.

وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة في ظل الأزمة التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني والحاجة إلى إعادة إعمار غزة واستعادة النشاط الإنتاجي وتحسين ظروف العمل والدخل في الضفة الغربية.

لكن الخلفية الاقتصادية لا تمثل وحدها معياراً للحكم على المرشح السياسي، فإدارة الشأن العام تتطلب أيضاً رؤية واضحة للحوكمة ومكافحة الفساد والعدالة في توزيع الفرص وتعزيز المؤسسات، إلى جانب القدرة على التعامل مع القضايا الوطنية الحساسة منها الانقسام الفلسطيني، وهنا يبرز اسم المصري خلال الاستطلاع عندما يتم عرض برنامجه الانتخابي على عينة البحث.

 

ماذا تكشف أرقام الاستطلاع عن صورة المصري؟

في الاختبار الأولي لتفضيلات القوائم الانتخابية، حصلت قائمة بشار المصري على 15% من تفضيلات الناخبين المرجح مشاركتهم الذين حسموا خياراتهم، وبعد عرض معلومات عن خلفيته الاقتصادية، ارتفعت النسبة إلى 25%، واستقرت عند هذا المستوى بعد عرض تفاصيل إضافية عن البرنامج الانتخابي، وفق نتائج الاختبار التي نشرها المركز، وفي سؤال منفصل بشأن القدرة على إدارة التعافي الاقتصادي وتحسين ظروف المعيشة، حصل المصري على 30% وطنياً، مقابل 29% لمصطفى البرغوثي، وتشير هذه النتائج إلى وجود ارتباط بين صورة المصري وبين تفضيلات بعض المستجيبين، وإلى أن اسمه حاضر في النقاش المتعلق بالقدرة على إدارة الملفات المعيشية.

 

غزة بين الاستجابة الإنسانية والتعافي الاقتصادي

خلال الحرب على غزة، ارتبط اسم المصري بمبادرات إغاثية عديدة منها مطابخ غزة العزة، التي قدمت ولا تزال ملايين الوجبات الغذائية مجانية للأسر المحتاجة والنازحين، وفق المعلومات المنشورة عن المبادرة، وفي ظل الدمار الواسع الذي أصاب القطاع، تتجاوز أهمية هذه الأنشطة جانب المساعدات الآنية لتطرح سؤالاً أوسع حول العلاقة بين الاستجابة الإنسانية وبين إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع، فالتحدي لا يقتصر على توفير الغذاء ولكنه يشمل أيضاً استعادة فرص العمل وإعادة تشغيل المنشآت وتأهيل البنية التحتية وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، ومن هنا، فإن تقييم أي تجربة اقتصادية أو مجتمعية في غزة يحتاج إلى النظر في حجم مساهمتها الفعلية ومدى استدامتها وقدرتها على دعم التعافي على المدى الطويل، وليس فقط في حجم النشاط الإنساني خلال الأزمات، وهو ما يتوفر لدى المصري من خلال نشاطه التجاري واستثماراته في غزة رغم إدراك الجميع أنها بيئة اقتصادية غير آمنة.

 

الضفة الغربية.. الاستثمار والأرض وفرص العمل

في الضفة الغربية، تبرز تجربة روابي والاستثمارات المرتبطة بالمصري، إلى جانب مبادرة "عالأرض" التي أُطلقت عام 2020 بهدف دعم المبادرات المرتبطة بحماية الأرض الفلسطينية وتعزيز الصمود في مواجهة الاستيطان، وتفتح هذه التجارب نقاشاً حول الدور الذي يمكن أن تؤديه الاستثمارات المحلية في مواجهة تراجع فرص العمل وتحديات التنمية، خصوصاً عندما تتجه إلى قطاعات قادرة على توفير وظائف أو تطوير خدمات وبنية تحتية.

وقياس النجاح الاقتصادي لبشار المصري له معايير تتجاوز حجم المشاريع أو شهرتها فقط، ويصل لعدد الوظائف المستدامة ومستوى الأجور ومدى استفادة المجتمعات المحلية وحجم الفرص المتاحة للشباب وقدرة المشاريع على العمل في بيئة اقتصادية ناجحة.

 

هل تتحول البدائل المستقلة إلى مشروع سياسي؟

يضع الاستطلاع القوائم المستقلة أمام فرصة واضحة، لكنه يضعها أيضاً أمام اختبار حقيقي، فوجود شريحة واسعة مستعدة للتصويت لقائمة مستقلة لا يضمن استمرار التأييد لها ولا يعني أن النجاح في مجال الأعمال سيؤدي تلقائياً إلى نجاح سياسي، وتتوقف قدرة أي قائمة على بناء قاعدة مستدامة على مجموعة من العناصر، من بينها وضوح البرنامج الوطني والشفافية المالية وآليات المساءلة وتمثيل الشباب والنساء والفئات الاجتماعية المختلفة والقدرة على بناء التوافقات وتقديم إجابات عملية عن الاقتصاد والإعمار والحريات والحقوق السياسية، وهو السبب الذي وضع المصري أمام القوائم الحزبية، بعد عرض برنامجه الانتخابي، كما أن الاستطلاع يقدم مؤشراً على حضور اسمه في نقاش البدائل المستقلة، وعلى ارتباطه في أذهان المستجيبين بملف التعافي الاقتصادي.

 

ما الذي يبحث عنه الناخب الفلسطيني؟

ربما تكون الرسالة الأبرز في النتائج أن جزءاً من الجمهور يريد خيارات أوسع من الاصطفاف التقليدي، ويريد أن يرى كيف يمكن للخبرة والبرنامج والقدرة على التنفيذ أن تنعكس على حياته اليومية، وفي ظل هذه المعطيات، تمثل تجربة بشار المصري إحدى الحالات التي يمكن من خلالها دراسة العلاقة بين الاستثمار والعمل المجتمعي والتمثيل السياسي، فالانتقال من إدارة المشاريع إلى إدارة الشأن العام ليس خطوة تلقائية، بقدر ما هو مسؤولية تتطلب رؤية سياسية واجتماعية متكاملة وبرنامجاً قابلاً للقياس وثقة يختبرها المواطنون من خلال الأداء والشفافية والنتائج.