اليوم الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦م

احتكار إسرائيلي وإغلاق أسواق غزة.. أزمات تواجه قطاع الصناعات الورقية الفلسطينية

اليوم, ٩:٢٩:٢٤ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

تواجه مصانع الورق الصحي الفلسطينية ضغوطاً متزايدة، مع تعذّر وصول منتجاتها إلى سوق قطاع غزة، وتصاعد المنافسة في السوق المحلية مع البضائع المستوردة، الى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتوزيع، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمستهلكين وتزداد صعوبة وصول المصانع الى الأسواق الفلسطينية.

وتكشف شهادتا ماهر الهيموني، المدير العام لشركة "ليدي فاين"، وفيكتور حزبون، رئيس اتحاد الصناعات الورقية والتغليف، عن أزمة تتجاوز تراجع المبيعات الى مخاوف تتعلق بقدرة المصانع الفلسطينية على الاستمرار، والحفاظ على حصتها السوقية، في ظل اختلال قنوات التجارة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ومطالبات بإجراءات أكثر فاعلية لحماية الإنتاج المحلي من المنافسة غير العادلة.

 

غزة.. سوق مغلقة أمام المنتج الفلسطيني

يقول الهيموني لمراسلنا، إن شركته كانت توصل منتجاتها من الورق الصحي إلى قطاع غزة من خلال مؤسسات دولية وإغاثية، بينها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" والهلال الأحمر الإماراتي، لكن هذا المسار توقف مع استمرار الحرب. وأضاف أن الشركة لم تعد قادرة على توريد منتجاتها إلى القطاع عبر قنواتها السابقة.

ولا يقتصر أثر هذا الانقطاع على شركة واحدة، بحسب رئيس اتحاد الصناعات الورقية والتغليف فيكتور حزبون، الذي قال لمراسل معا، إن منع وصول المنتجات الفلسطينية الى غزة ألحق أضراراً بالمصانع العاملة في الضفة الغربية، ولا سيما تلك التي كانت تعتمد على السوق الغزي لتصريف جزء من إنتاجها.

واعتبر حزبون أن حرمان التجار والمصانع الفلسطينية من التعامل التجاري المباشر يحد من حرية التعاقد بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، ويمنح الشركات الإسرائيلية احتكار السوق.

وقال إن أسباب منع دخول المنتجات الفلسطينية ليست واضحة بالنسبة إليه، متسائلاً عن مبررات السماح بدخول بضائع عبر شركات إسرائيلية، مقابل منع المنتج الفلسطيني من الوصول مباشرة إلى المستهلك في غزة.

وبحسب حزبون، فإن هذه القيود لا تضرب المبيعات وحدها، بل تمتد الى فرص استمرار المصانع الفلسطينية، محذراً من أن استمرار الظروف الحالية قد يدفع بعض المصانع في الضفة الغربية الى الإغلاق، بما ينعكس على العمالة والبطالة.

 

75 مصنعاً مدمراً في غزة

وتتضح أبعاد الأزمة أكثر عند النظر إلى واقع قطاع الورقيات داخل غزة، إذ قال حزبون إن الاتحاد يضم 99 عضواً مسجلاً في القطاع، وإن 75 مصنعاً دُمّرت، فيما بقي 24 مصنعاً قابلاً للعمل، لكنها تحتاج إلى مواد خام وقطع غيار ومستلزمات إنتاج لا تستطيع الحصول عليها، بسبب منع الاحتلال، وفق إفادته.

وتعني هذه الأرقام، أن الأزمة لا تتعلق فقط بتعطل التجارة بين غزة والضفة الغربية، بل أيضاً بتضرر القاعدة الإنتاجية نفسها داخل القطاع.

فالمصانع التي كانت تنتج وتوفر فرص عمل وتخدم المستهلك الفلسطيني باتت، وفق ما عرضه حزبون، أمام عائق مزدوج: تدمير جزء كبير من منشآتها، وتعذر توفير المستلزمات اللازمة لإعادة تشغيل المنشآت التي لا تزال قابلة للعمل.

وفي المقابل، تخسر المصانع العاملة في الضفة الغربية سوقاً استهلاكية كانت تمثل منفذاً لتصريف منتجاتها، ما يزيد الضغوط على قطاع يعاني أصلاً من المنافسة في السوق المحلية وارتفاع تكاليف التشغيل والنقل.

وقال الهيموني، خلال حديثه مع مراسل معا، إن شركته فقدت نحو 35% من حصتها في السوق المحلية،.في مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها الشركة. ولا تمثل هذه النسبة بالضرورة حجم التراجع في القطاع بأكمله، لكنها تقدم صورة عن الخسائر التي يقول أحد المصنّعين إنها لحقت به خلال الفترة الأخيرة.

وأشار إلى أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وارتفاع تكاليف الحياة، وعدم انتظام الرواتب، وفقدان كثير من العمال فرص العمل داخل إسرائيل، عوامل انعكست على قدرة المستهلك الفلسطيني على الشراء.

وأضاف أن القيود على الطرق والبوابات الحديدية بين المدن الفلسطينية جعلت حركة المندوبين والسائقين أكثر صعوبة، وأطالت زمن إيصال المنتجات إلى الأسواق.

وأوضح أن وصول الشحنات إلى مدن مثل رام الله وجنين ونابلس أصبح يتطلب وقتاً وجهداً أكبر، في ظل التأخير والمخاطر التي يواجهها العاملون على الطرق، وهو ما ينعكس على كلفة التوزيع وانتظام عمليات البيع.

وقال الهيموني إن هذه الظروف، إلى جانب المنافسة مع البضائع المستوردة، جعلت الصناعة الفلسطينية تواجه وضعاً بالغ الصعوبة، معتبراً أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الورق الصحي، بل تشمل قطاعات صناعية أخرى.

 

قيود الشحن ترفع الكلفة

ومن بين المشكلات التي أثارها الهيموني، الإجراءات المتعلقة بارتفاع الشحنات والحاويات عبر معبر ترقوميا.

وقال إن بعض الشركات كانت تنقل شحناتها بارتفاع يصل إلى مترين أو مترين وعشرين سنتيمتراً، قبل أن يُطلب منها، في إدارة المعبر من الجانب الإسرائيلي الالتزام بارتفاع لا يتجاوز متراً وستين سنتيمتراً.

وأضاف أن هذا التغيير يقلل كمية البضائع التي يمكن نقلها في الشحنة الواحدة، ويؤدي إلى زيادة تكاليف النقل، بما يرفع الكلفة النهائية على المصنع.

وأشار إلى أن شركته تواصلت مع جهات في الشؤون المدنية والغرف التجارية سعياً إلى معالجة المشكلة. لكن حتى ساعة إعداد التقرير لم يطرأ اي تطور يذكر.

وتكتسب هذه القيود أهمية خاصة بالنسبة الى الصناعات الورقية، التي تعتمد على نقل كميات كبيرة من المنتجات، إذ إن تقليص حجم الحمولة في الشحنة الواحدة يعني الحاجة إلى مزيد من الرحلات لنقل الكميات نفسها، وبالتالي زيادة النفقات التشغيلية.

 

صناعة تحت ضغط مزدوج

تكشف الشهادتين عن أزمة متعددة الجوانب تواجه قطاع الصناعات الورقية الفلسطينية: مصانع مدمرة في غزة، وتعذر وصول المنتجات بين السوقين الفلسطينية، وضغوط استيراد يصفها الاتحاد بأنها غير عادلة، وارتفاع تكاليف النقل، وتراجع القدرة الشرائية.

وبينما يتحدث الهيموني عن خسارة شركته 35% من حصتها السوقية، يحذر حزبون من أن استمرار الظروف الحالية قد يدفع بعض المصانع في الضفة الغربية إلى الإغلاق، بما يحمله ذلك من تداعيات على فرص العمل والقدرة الإنتاجية المحلية.

وتضع هذه المعطيات الجهات الرسمية أمام ملفات مترابطة: تسهيل وصول المنتجات الفلسطينية إلى الأسواق، ومعالجة القيود التي ترفع تكاليف النقل، وتوفير مسار لإعادة تشغيل المصانع القابلة للعمل في غزة.

فالقضية لا تتعلق فقط بقدرة مصنع على بيع منتجاته، بل بمستقبل قطاع إنتاجي فلسطيني يحتاج إلى سوق يستطيع الوصول إليها، وقواعد منافسة عادلة، وإمكانات لاستعادة المصانع المتضررة، والحفاظ على العلامات التجارية والعمالة والخبرة الصناعية.

وفي ظل هذه التحديات، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الإجراءات الرسمية في حماية قدرة الصناعة الورقية الفلسطينية على الاستمرار، أم تتسع خسائر المصانع لتتحول من تراجع في المبيعات إلى فقدان تدريجي للحصة السوقية والقدرة الإنتاجية؟