اليوم الخميس ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦م

غزة ليست واجهات تجارية.. الأمن الغذائي أولًا قبل أن تُغلق المعابر مجددًا!

اليوم, ١١:٣١:٥١ ص
محمود القشاش

بقلم/ أ. محمود محمد القشاش.

بعد أكثر من 1100 يوم من الحرب والقتل والتدمير والضغط الإنساني والاقتصادي المتواصل، شهد قطاع غزة عودة محدودة لبعض مظاهر النشاط التجاري، في مشاهد صُوّرت وكأن الحياة قد عادت إلى طبيعتها، وكأن الأسواق استعادت عافيتها، وكأن غزة تجاوزت أزمتها الاقتصادية والإنسانية.

لكن ما إن أُغلقت المعابر مجددًا لمدة تقل عن أسبوع، حتى بدأت مؤشرات النقص تظهر في عدد من السلع الأساسية، وفقدت بعض الأصناف من الأسواق، لتكشف هذه التطورات عن حقيقة لا يجوز تجاهلها: *أن عودة النشاط التجاري لا تعني بالضرورة التعافي الاقتصادي، وأن حركة الأسواق لا تعني أن المجتمع يمتلك أمنًا غذائيًا حقيقيًا.*

فغزة التي عاشت فصولًا قاسية من الجوع، وشهدت مشاهد مؤلمة من التدافع للحصول على الطحين والمساعدات، لا يجوز أن تتعامل مع هشاشة الإمدادات باعتبارها أزمة عابرة، بل باعتبارها خطرًا استراتيجيًا يتطلب استعدادًا جادًا ومسبقًا.

## إلى صُنّاع القرار: ماذا تعلمنا من المجاعة السابقة؟

إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: كيف تبدو الأسواق؟ بل: ماذا أعددنا لليوم الذي تُغلق فيه المعابر، وتتوقف فيه الإمدادات، وتتراجع فيه القدرة على إدخال السلع الأساسية؟

ألم تكن التجارب السابقة كافية لتدفع نحو إنشاء مخزون استراتيجي من الطحين والأرز والزيوت والسكر والبقوليات وحليب الأطفال والاحتياجات الغذائية الضرورية؟

وألم تكشف أزمة المجاعة السابقة أن الاعتماد شبه الكامل على تدفق السلع عبر المعابر، دون وجود احتياطيات كافية وآليات توزيع عادلة ورقابة فعالة على الأسواق، يجعل ملايين الناس عرضة لصدمة واحدة قد تتجاوز آثارها القدرة على الاحتواء؟

لقد دفعت غزة أثمانًا إنسانية باهظة خلال أزمة الغذاء السابقة، وظهرت تقارير وشهادات عن وفيات مرتبطة بالجوع وسوء التغذية، فضلًا عن المخاطر التي واجهها المدنيون أثناء محاولات الحصول على الغذاء والمساعدات. وأي أرقام محددة بشأن عدد الضحايا أو الإصابات ينبغي توثيقها بمصادر موثوقة، لأن التعامل مع هذه المأساة يستوجب الدقة بقدر ما يستوجب المساءلة.

*إن تكرار الأزمة بعد كل إغلاق للمعابر ليس قدرًا محتومًا؛ بل إن الحد من مخاطرها يبدأ بالتخطيط المسبق، وبناء الاحتياطيات، وتوزيع المسؤوليات بوضوح.*

## الاحتكار في زمن الجوع.. حين تتحول الحاجة إلى فرصة للربح

لا تتوقف خطورة الأزمة عند نقص السلع، بل تمتد إلى احتمالات استغلال النقص لرفع الأسعار، وحجب البضائع، واحتكار الأصناف الأساسية، وتحقيق أرباح استثنائية على حساب أسر أنهكتها الحرب وفقدان الدخل.

فحين تتراجع المعروضات وتزداد المخاوف من انقطاع الإمدادات، تصبح السوق أكثر عرضة للمضاربة، وتتحول قدرة الأسرة على شراء الغذاء إلى رهينة للأسعار ومدى توافر السلع.

ومن هنا، فإن أي اتهامات محددة بالاحتكار أو تخزين السلع بقصد رفع أسعارها يجب أن تخضع للتحقيق والإثبات، لكن هذا لا يعفي الجهات المختصة من واجب الرقابة الاستباقية، ونشر بيانات المخزون والأسعار، ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقانون.

فليس من المقبول أن يتحمل المواطن وحده فاتورة الإغلاق، ثم يتحمل فوقها فاتورة المضاربة وغياب الرقابة وضعف المنافسة.

## المطلوب الآن: مخازن استراتيجية لا حلول مؤقتة

إن حماية غزة من تكرار أزمات الغذاء لا تتحقق بالتصريحات ولا بردود الفعل بعد نفاد السلع، وإنما ببناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي، تقوم على إجراءات عملية واضحة:

1. *إنشاء مخازن استراتيجية للسلع الأساسية:* موزعة جغرافيًا في أنحاء القطاع، ومجهزة بما يحفظ سلامة الأغذية ويحد من التلف والفقد.

2. *تحديد حد أدنى للمخزون:* وفقًا لعدد السكان ومعدلات الاستهلاك اليومية، مع تحديد مدة تغطية مستهدفة قابلة للتطبيق ومراجعتها دوريًا بحسب ظروف المعابر وقدرات التخزين.

3. *إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للمخزون:* توضح الكميات المتاحة لدى الجهات الحكومية والإنسانية والموردين والتجار، مع آليات للتحقق من البيانات وحماية المعلومات التجارية الحساسة.

4. *اعتماد خطة طوارئ للإغلاق:* تتضمن أولويات إدخال السلع، وتوزيع المخزون، والبدائل اللوجستية الممكنة، وآليات الاستجابة الفورية عند تعطل الإمدادات.

5. *تشديد الرقابة على الأسواق:* لمواجهة الاحتكار والتلاعب بالأسعار وحجب السلع، ونشر مؤشرات دورية عن الأسعار والتوافر، وتوفير قنوات آمنة لتلقي شكاوى المواطنين.

6. *ضمان عدالة التوزيع:* بحيث تصل السلع إلى الأسر الأكثر احتياجًا، ولا تتحول الاحتياطيات إلى مصدر للامتيازات أو أداة للمضاربة أو وسيلة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

7. *دعم الإنتاج المحلي حيثما أمكن:* من خلال حماية ما تبقى من الأنشطة الزراعية والغذائية، وتشجيع التصنيع والتخزين المحليين، بما يخفف الاعتماد المطلق على الإمدادات الخارجية على المدى المتوسط والطويل.

## التعافي الحقيقي يبدأ من حماية لقمة المواطن

إن عودة بعض الأنشطة التجارية قد تعكس رغبة الناس في استعادة الحياة، وقدرة بعض المنشآت على استئناف العمل، لكنها لا تكفي للحكم على تعافي الاقتصاد أو استقرار الأوضاع المعيشية.

فالتعافي الحقيقي لا يُقاس بالمظاهر وحدها، بل بمدى قدرة المواطن على الحصول على الغذاء والدواء والماء، وبمدى استقرار الأسعار، وبوجود احتياطيات تمنع تحوّل أي إغلاق جديد للمعابر إلى أزمة معيشية واسعة.

وفي مجتمع يعيش تحت ضغط الحرب والدمار وفقدان مصادر الدخل، فإن التفاوت الحاد بين مظاهر النشاط التجاري وعجز شرائح واسعة عن تأمين احتياجاتها الأساسية قد يزيد الشعور بالحرمان والاحتقان الاجتماعي. ولذلك، فإن حماية الأمن الغذائي ليست سياسة اقتصادية فحسب، بل ضرورة اجتماعية وإنسانية أيضًا.

*إلى صُنّاع القرار في غزة: لا تنتظروا حتى تختفي السلع من الأسواق لتبدأوا البحث عنها، ولا تنتظروا حتى يصطف المواطنون أمام المخابز لتفكروا في المخزون الاستراتيجي.*

ابنوا المخازن، أمّنوا الاحتياطيات، راقبوا الأسواق، واضمنوا عدالة التوزيع قبل أن تقع الأزمة.

فغزة لا تحتاج إلى مؤشرات شكلية توحي بالتعافي بقدر ما تحتاج إلى منظومة اقتصادية قادرة على حماية حياة الناس وضمان احتياجاتهم الأساسية في أصعب الظروف.

*إن مخزون الطحين والغذاء الذي يحفظ كرامة الناس ويصون حياتهم، أولى من أي مظهر اقتصادي لا يضمن لهم أبسط حقوقهم. فإعادة بناء الاقتصاد تبدأ بحماية الإنسان، وأول شروط هذه الحماية أن تبقى لقمة العيش متاحة حتى في أصعب الظروف.*