غزة/ الاقتصادية
بعد افتتاح أول مصنع فلسطيني للإسمنت في أريحا، تتجه الأنظار إلى الأثر الاقتصادي المتوقع للمشروع، في سوق تبلغ احتياجاته السنوية نحو 2.5 مليون طن، وتصل فاتورة استيراد هذه السلعة إلى نحو 270 مليون دولار، وفق بيانات صندوق الاستثمار الفلسطيني.
ويستهدف المصنع تغطية نحو 50% من احتياجات السوق المحلية، في خطوة من شأنها تقليص الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الإنتاج الوطني في أحد القطاعات الأساسية المرتبطة بالبناء والإنشاءات.
وباستثمار إجمالي يبلغ نحو 115 مليون دولار، أُقيم المصنع بالشراكة بين صندوق الاستثمار الفلسطيني ومجموعة عيسى خوري لصناعات التعدين والإنشاءات، على مساحة تصل إلى نحو 240 دونماً في منطقة أريحا، ليشكل أحد أبرز المشاريع الصناعية الاستراتيجية في فلسطين.
وتعني التغطية المستهدفة لنصف احتياجات السوق توفير ما يعادل نحو 1.25 مليون طن سنوياً من الإسمنت محلياً، إذا ما تحققت الطاقة الإنتاجية المستهدفة وتوافر الطلب، وهو ما يعادل حسابياً نحو 135 مليون دولار من قيمة فاتورة الاستيراد الحالية، استناداً إلى تقديرات الاستهلاك والإنفاق السنويين. غير أن حجم الوفر الفعلي سيعتمد على الإنتاج الذي سيصل إلى السوق، وتكاليف التشغيل، وأسعار الإسمنت المحلي مقارنة بالمستورد.
وعلى الصعيد الفني، يتضمن المصنع في مرحلته الحالية مطحنة لطحن مادة الكلينكر، المكون الأساسي للإسمنت، فيما يجري العمل على توسيع الطاقة التخزينية للمطحنة وبناء محطة لتزويدها بالكهرباء، تمهيداً للتوسع مستقبلاً نحو إنشاء مصنع لإنتاج الكلينكر محلياً. ويمثل هذا التوجه مرحلة إضافية في توطين صناعة الإسمنت، عبر الانتقال من طحن المادة الأساسية المستوردة إلى تصنيعها محلياً وفق الصندوق.
وبحسب البيانات المعلنة عن المشروع، تراوحت نسبة الجاهزية قبل التشغيل الكامل بين 95% و96%، فيما بدأت مراحل التشغيل التجريبي قبل الانتقال إلى الإنتاج التجاري. وقد شهد حفل الافتتاح ضغط الرئيس محمود عباس على زر التشغيل إيذاناً ببدء عمل الآلات وانطلاق العملية الإنتاجية.
وفي الجانب التمويلي، قدم البنك العربي تسهيلات وتمويلات للمشروع تجاوزت 57 مليون دولار، وفق تصريحات رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني إياد جودة، ومدير منطقة فلسطين في البنك العربي جمال حوراني. ويبرز هذا التمويل دور القطاع المصرفي في توفير الموارد اللازمة للمشاريع الصناعية الكبيرة، التي تتطلب استثمارات رأسمالية طويلة الأجل.
كما يوفر المشروع فرصاً اقتصادية للقطاعات المرتبطة به، بدءاً من النقل والخدمات اللوجستية وصولاً إلى أنشطة البناء والإنشاءات، فيما لم تتضمن البيانات المتاحة رقماً نهائياً معلناً لعدد فرص العمل التي سيوفرها المصنع.
وفي سياق متصل، قال رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني إياد جودة إن المصنع يمثل نموذجاً لاستثمار يجمع بين المسؤولية الوطنية والتنمية الاقتصادية، ويلبي حاجة فعلية في السوق، ويعزز الإنتاج المحلي ويمهد لمزيد من النشاط الاستثماري. وأوضح أن فكرة المشروع بدأت عام 2018، فيما بدأت أعمال إنشائه عام 2023، رغم حرب الإبادة على قطاع غزة والتحديات التي فرضها الاحتلال في الضفة الغربية.
من جهته، أكد رئيس الوزراء محمد مصطفى أن المشروع يمثل محطة مهمة في تطوير الصناعة الفلسطينية، ولا سيما الصناعات الإنشائية، التي تسهم في النشاط الاقتصادي وتوفر فرص العمل. وأشار إلى أن الانتقال من الاستيراد إلى الإنتاج المحلي يدعم استقلال الاقتصاد الوطني، ويعزز القدرة على توفير احتياجات التنمية وإعادة إعمار قطاع غزة.
بدوره، قال رئيس مجلس إدارة مجموعة عيسى خوري لصناعات التعدين والإنشاءات عيسى خوري إن المصنع أُنجز بكوادر فلسطينية بنسبة 100%، بعد منع الاحتلال طواقم شركة دنماركية كان المطورون قد تعاقدوا معها لتنفيذ أعمال البناء، مؤكداً أن الخطوة المقبلة تتمثل في تطوير إنتاج الكلينكر وتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المصنع.
ويكتسب المشروع أهمية إضافية في ظل الاحتياجات الإنشائية المرتبطة بإعادة إعمار قطاع غزة، إذ يمكن للإنتاج المحلي أن يشكل أحد مصادر توفير الإسمنت للمشاريع المستقبلية، مع بقاء حجم مساهمته الفعلية مرتبطاً بالطاقة الإنتاجية المتاحة وتكاليف النقل والتشغيل والطلب في السوق.
وبذلك، لا تقتصر أهمية مصنع أريحا للإسمنت على قيمة الاستثمار البالغة 115 مليون دولار، بل تمتد إلى سوق تستورد نحو 2.5 مليون طن سنوياً بقيمة تصل إلى 270 مليون دولار، وفرصة مستهدفة لتغطية نصف هذا الطلب محلياً، إلى جانب خطط التوسع نحو إنتاج الكلينكر. وتبقى النتائج الاقتصادية النهائية مرهونة بمستوى الإنتاج الفعلي، والقدرة التنافسية للمنتج المحلي، ومدى انعكاسه على فاتورة الاستيراد والأسعار في السوق الفلسطينية.

