كشف تقرير لوكالة الإحصاءات الأوروبية "يوروستات" عن أن الاقتصاد الفرنسي يتراجع منذ سنوات حتى باتت فرنسا أفقر من قبرص، وفق ما كشفت صحيفة "لوفيغارو".
وقالت الصحيفة الفرنسية إنه "لطالما كانت فرنسا من بين أكثر الدول الأوروبية ازدهارًا، لكنها أصبحت اليوم تحت متوسط الاتحاد الأوروبي من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد"، موضحة أن التراجع التدريجي بدأ منذ عشر سنوات، وتسارع بشكل ملحوظ في العقد الأخير.
ووفقاً للصحيفة الفرنسية فإنه "لم يعد كونك فرنسيًا يضمن أن تكون أفضل حالًا من المواطن الأوروبي المتوسط، بل على العكس، بحسب تقديرات وكالة الإحصاءات الأوروبية يوروستات للعام الماضي، كان الناتج المحلي الإجمالي للفرد في فرنسا أقل بنسبة 2% من متوسط الدول الـ27 في الاتحاد الأوروبي.
وأوضحت أن هذا الانخفاض ليس مفاجئًا، فقد ظلت فرنسا منذ عام 2022 ضمن الجزء الأدنى من التصنيف بعد عقد كامل من التراجع التدريجي.
معنى الأرقام على أرض الواقع
بدوره، أكد إريك دور، مدير الدراسات الاقتصادية في مدرسة "ليسيج" للإدارة، أن هذه الأرقام "مقاسة وفق تعادل القوة الشرائية، أي مع الأخذ بعين الاعتبار فروق الأسعار بين الدول، ما يجعلها مقياسًا دقيقًا لمستوى المعيشة الفعلي".
وأوضحت أنه "حتى عند مقارنة فرنسا بدول منطقة اليورو الـ21 الأكثر تشابهًا، يظهر نفس الاتجاه: الناتج المحلي الإجمالي للفرد الفرنسي أدنى بحوالي 1% من المتوسط".
تراجع مستمر على مدى عقود
ومقارنة على المدى الطويل تكشف الصورة الحقيقية، ففي عام 1975، كان الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي للفرد مشابهًا لألمانيا، أما اليوم فالفجوة تصل إلى 18%.
والدنمارك، التي كانت تتفوق على فرنسا بـ13 نقطة فقط في 1975، باتت اليوم أغنى من فرنسا بحوالي 30%.
وفي الوقت نفسه، تقلص الفارق مع الدول الأقل نموًا، فبولندا التي كانت متأخرة عن فرنسا بـ60% عام 2000، لم تعد متخلفة سوى بـ20 نقطة اليوم.
عقد من التراجع المتواصل
ويشير ماثيو بلان، المدير المساعد للمرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية، إلى وجود موجتين رئيسيتين من التراجع خلال العقد الأخير.
الأولى بين 2013 و2017، عندما هبط المؤشر من 109 (9% فوق المتوسط الأوروبي) إلى 103، في فترة شهدت تطبيق سياسة العرض تحت قيادة فرانسوا هولاند، التي لم تحقق الانتعاش المتوقع.
ثم جاءت المرحلة الثانية مع سياسة "مهما كلف الأمر" لإيمانويل ماكرون منذ مارس 2020، حيث استمر الانخفاض، 104 في 2020، 101 في 2021، و97 في 2022، رغم دعم الدولة للقدرة الشرائية والقطاع الاقتصادي.
لا تعود المشكلة فقط إلى الأخطاء السياسية: ففرنسا تعاني من ضعف معدل النشاط الاقتصادي. ففي 2024، كان أقل من نصف الفرنسيين يعملون، فيما يأتي الأسوأ فقط في سلوفاكيا وبلجيكا.
وترجع هذه الظاهرة إلى عوامل ديموغرافية (نسبة الأشخاص بين 20 و64 سنة منخفضة) وبنيوية (معدل توظيف الشباب وكبار السن من بين الأدنى في أوروبا، إضافةً لقلة ساعات العمل للفرد).
تظل فرنسا في المرتبة السابعة في أوروبا من حيث الإنتاجية، لكن مكاسبها تتراجع منذ سنوات، بحسب بنوا بيلو، مدير الاستثمارات في ناتيكيس ويلث مانجمنت.
ومن أبرز العوامل وفقاً للتقرير، تراجع الصناعة، وضعف التعليم، ونقص الاستثمارات في البحث العلمي، إضافةً لتداعيات جائحة كورونا، أدت إلى فقدان مرونة سوق العمل مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى.
هل يمكن استعادة المكانة؟
من الصعب التوقع بتحسن الوضع على المدى المتوسط، بحسب ماثيو بلان، خاصة مع تراكم الديون التي تقترب من 3.500 مليار يورو، وعجز الميزانية الذي يصعب خفضه دون التأثير على قدرة الدولة على التدخل الاقتصادي.
على عكس ألمانيا التي يمكنها تنفيذ خطط تحفيزية بقيمة 500 مليار يورو، تواجه فرنسا تحديًا كبيرًا: "كيف نجد 100 مليار يورو من التوفير بحلول نهاية 2029؟"، سؤال لا يبدو أن مشروع ميزانية 2026 يقدم له إجابة واضحة.

