اليوم السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦م

انهيار اقتصاد غزة: انكماش حاد وكلفة هائلة لإعادة الإعمار

اليوم, ١٢:٢٨:٣٣ م
اقتصاد غزة
الاقتصادية

لم يكن الانهيار الذي ضرب اقتصاد قطاع غزة حدثاً دورياً أو أزمة عابرة، بل شكّل صدمة تنموية غير مسبوقة أعادت غزة عقوداً طويلة إلى الوراء. وفي ظل حرب مدمرة لأكثر من عامين، سجل الناتج المحلي الإجمالي انكماشاً حاداً بنسبة 83% خلال عام 2024، تبعته خسارة إضافية بلغت 7.8% في عام 2025، وهو ما يعكس انهياراً شبه كامل في القدرة الإنتاجية، وانقطاعاً فعلياً لمسار النمو الاقتصادي.

هذا التراجع الحاد لا يقاس فقط بحجم الخسائر المالية بل بدلالاته البنيوية العميقة، إذ يشير إلى تفكك شامل في منظومة الاقتصاد، من الصناعة والزراعة إلى التجارة والخدمات، وانهيار قدرة السوق المحلية على توليد الدخل أو فرص العمل. ومع هذا الانكماش، تراجعت مؤشرات المعيشة إلى مستويات تاريخية، ما أدخل الاقتصاد الفلسطيني في مرحلة يمكن توصيفها بـ"الكساد التنموي طويل الأمد".

ولعل الأخطر من ذلك، أن التقديرات الأممية لا تتحدث عن سنوات ضائعة فقط، بل عن محو 69 عاماً من التنمية البشرية، أي تراجع جذري في التعليم والصحة والبنية المؤسسية ورأس المال البشري، وهو ما يعني أن المجتمع الفلسطيني لا يواجه أزمة اقتصادية فحسب، بل انهياراً في مقومات الحياة والتنمية المستدامة. وفي تقرير سابق، حذرت الأمم المتحدة من انهيار شامل يضرب الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة، نتيجة حرب استمرت عامين، وأدت إلى تدمير واسع النطاق طاول البنية الاقتصادية والاجتماعية.

ووفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، دخل اقتصاد غزة مرحلة "الدمار الكامل"، إذ لم تقتصر الخسائر على الأضرار المادية بل امتدت لتقويض أسس الحياة الاقتصادية ذاتها، في واحدة من أعمق الأزمات التي يشهدها العالم منذ عقود. وأوضح التقرير أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تراجع إلى مستوى عام 2003، ما يعادل خسارة 22 عاماً من التنمية الاقتصادية، ليتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 161 دولاراً فقط سنوياً، وهو أحد أدنى المستويات المسجلة عالمياً.

ورأى المختص في الشأن الاقتصادي، عماد لبد، أن حجم الانكماش الاقتصادي في غزة يعكس انهياراً بنيوياً لا يمكن احتواؤه بإجراءات تقليدية، موضحاً أن تراجع الناتج المحلي بأكثر من 83% في عام واحد يعني شللاً شبه كامل في عجلة الاقتصاد. وأكد لبد لـ"العربي الجديد" أن هذه النسبة تعني عملياً توقف الإنتاج وانهيار الطلب المحلي وانعدام القدرة على خلق أي قيمة مضافة داخل الاقتصاد الفلسطيني.

وأشار إلى أن التحذيرات الأممية بشأن اعتماد غزة الكامل على المساعدات ليست توصيفاً سياسياً، بل حقيقة رقمية، لافتاً إلى أن تكلفة إعادة إعمار غزة تُقدّر بـ70 مليار دولار، دون احتساب الخسائر غير المنظورة المتمثلة في فقدان رأس المال البشري وهجرة الكفاءات وتآكل الخبرات الإنتاجية.

وقال لبد: "استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال مواد البناء والطاقة يشكل عقبة مركزية أمام أي تعافٍ اقتصادي"، مؤكداً أن الاقتصاد لا يمكن أن يُعاد بناؤه في ظل حصار يمنع تدفق السلع الأساسية، فإعادة الإعمار تمثل منظومة اقتصادية متكاملة تتطلب حرية حركة وتجارة واستثماراً".

ودعا لبد لاتخاذ خطوات فعلية للخروج من حالة الانهيار الشامل، تتمثل بالبدء الفوري بفتح المعابر وإدخال المواد الخام والبدء بإعادة الإعمار، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي وتمويل المشاريع الصغيرة وتطوير الاقتصاد الرقمي. وأضاف: "الأرقام الحالية تعكس انتقال الاقتصاد الغزي من مرحلة نقص التنمية إلى حالة انهيار كلي، فأن يتجاوز الانكماش 80% من الناتج المحلي يعني فعلياً خروج الاقتصاد من دورة الإنتاج"، لافتاً إلى أن هذه المستويات من التراجع لم تُسجل حتى في دول شهدت حروباً أهلية طويلة، ما يضع غزة في وضع استثنائي عالمياً.

وتطرق لبد للحديث عن شلل النظام المالي في غزة، مؤكداً أنه يشكل أحد أخطر معوقات التعافي، إذ أدى توقف البنوك وضعف السيولة إلى تعطل الرواتب وتجميد المدخرات، ما عمّق حالة الانكماش. وشدّد على أن إعادة تشغيل القطاع المصرفي وضمان تدفق السيولة يمثلان شرطاً أساسياً لأي انتعاش اقتصادي، "لأن الاقتصاد لا يمكن أن يعمل دون نظام مالي فعّال قادر على تمويل الإنتاج وتحريك الطلب".

في حين، أكد المختص بالشأن الاقتصادي، سمير أبو مدللة، أن ما جرى في غزة يُصنف اقتصادياً ضمن أسوأ الأزمات العالمية خلال العقود الأخيرة، مشيراً إلى أن الحرب أضاعت سنوات طويلة من التنمية وأدت لتراجع مؤشرات الدخل الحقيقي والخدمات وفرص العمل إلى مستويات متدنية، وهو ما يفسر الانهيار السريع في مستوى المعيشة. وقال أبو مدللة لـ"العربي الجديد": "الاقتصاد الغزي تعرض لانهيار شبه كامل، حيث توقفت معظم الأنشطة الإنتاجية وارتفعت معدلات البطالة إلى نحو 85%، فيما بات أكثر من 90% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية".

ولفت إلى أن هذه الأرقام تعكس تفكك الطبقة الوسطى بالكامل، وتحول المجتمع إلى اقتصاد إغاثي عاجز عن توليد دخله ذاتياً. وشدّد على أن أي حديث عن التعافي يبقى مشروطاً بتغيير جذري في البيئة السياسية والاقتصادية، موضحاً أن تقديرات إعادة الإعمار تتراوح بين عشرة إلى 15 عاماً في أفضل الأحوال. "أما دون رفع الحصار وضمان الحد الأدنى من السيادة الاقتصادية، فإن إعادة إنتاج الواقع القائم لن تعني سوى إعادة إنتاج الانهيار ذاته".

وبيّن أبو مدللة أن أخطر ما أفرزته الحرب لا يتمثل فقط بتراجع الناتج المحلي أو ارتفاع البطالة، بل بتآكل القدرة المستقبلية للاقتصاد على التعافي، مضيفاً: "تدمير آلاف المنشآت الإنتاجية أفقد السوق المحلية ما يقارب 70% من طاقتها التشغيلية، ما يعني أنه حتى عودة الهدوء لن تعني عودة النشاط تلقائياً، في ظل غياب رأس المال وانقطاع سلاسل التوريد وتراجع الطلب الداخلي إلى مستويات دنيا".

ووفق أبو مدللة، فإن فقدان رأس المال البشري يشكل نزيفاً اقتصادياً صامتاً، مشيراً إلى أن تعطل التعليم والعمل لفترات طويلة ينعكس مباشرة على الإنتاجية المستقبلية، "فجيل كامل مهدد بالخروج من سوق العمل دون مهارات، ما يخفض النمو المحتمل لسنوات قادمة، ويحول الأزمة من ركود مؤقت إلى فجوة تنموية ممتدة يصعب سدها حتى في حال توفر التمويل الدولي".