وكالات/ الاقتصادية
صدرت البيانات الأولية لمؤشر مديري المشتريات في منطقة اليورو لشهر مارس آذار، إذ إن النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص كاد يتوقف مع تراجع المؤشر المركب إلى 50.5، وهو أدنى مستوى في 10 أشهر، مقارنة بـ51.9 في فبراير شباط.
هذا الرقم، القريب جداً من مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش، يعني أن الاقتصاد الأوروبي ينمو بشكل شبه صفري، مع تقديرات تشير إلى نمو بالكاد أقل من 0.1% في الربع الأول من 2026.
جاء التباطؤ أساساً من قطاع الخدمات الذي فقد زخمه بشكلٍ واضح، بينما حافظ التصنيع على نمو محدود.
وجاءت الضغوط الحقيقية من جانب التكاليف، إذ قفزت أسعار المدخلات بأسرع وتيرة في أكثر من ثلاث سنوات، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.
انعكس ذلك مباشرة على الشركات، مع تأخر كبير في تسليمات الموردين، هو الأطول منذ أغسطس آب 2022، ما يشير إلى اختناقات لوجستية متزايدة.
كما بدأت الشركات بتقليص التوظيف بشكل طفيف، خاصة في القطاع الصناعي، في محاولة لاحتواء التكاليف.
الجدير بالذكر أن مؤشر مديري المشتريات المركب يعكس الصورة العامة للنشاط الاقتصادي، ويظل مؤشر التصنيع أكثر حساسية للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد، في حين يعكس مؤشر الخدمات قوة الطلب المحلي، بينما تقدم المؤشرات الفرعية مثل الطلبات والأسعار والتوظيف إشارات مبكرة لمسار النمو والتضخم.
الطلب يتراجع والثقة تهبط
في تطور لافت، تراجعت الطلبات الجديدة أول مرة منذ ثمانية أشهر بسبب انخفاض الطلب في قطاع الخدمات، رغم تسجيل التصنيع نمواً طفيفاً في الطلبات.
أما الطلب الخارجي، فواصل الانكماش للشهر الـ49 على التوالي، في إشارة إلى ضعف مستمر في التجارة العالمية. بالتوازي، تراجعت ثقة الشركات إلى أدنى مستوياتها في نحو عام.
تضخم مستمر رغم ضعف النشاط
رغم هذا التباطؤ، استمرت الأسعار في الارتفاع إذ سجلت أسعار البيع أسرع زيادة منذ فبراير شباط 2024، مع انتقال جزء من ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين.
لكن هذا الانتقال لم يكن كاملاً، خاصة في بعض القطاعات التي تواجه طلباً ضعيفاً، ما يضغط على هوامش الربحية.
ألمانيا: صناعة قوية لكن على حساب المخاطر
في ألمانيا، الصورة تبدو أكثر تعقيداً، النمو تباطأ أيضاً، مع تراجع المؤشر المركب إلى 51.9، وهو الأضعف منذ ديسمبر كانون الأول 2025.
لكن المفاجأة جاءت من القطاع الصناعي، الذي سجّل تسارعاً قوياً وبلغ أعلى مستوى له في 49 شهراً، بسبب زيادة الطلبات بشكل قياسي.
لا يعكس هذا النمو قوة حقيقية بقدر ما يعكس سلوكاً احترازياً من الشركات، التي سارعت إلى تخزين المواد الخام وتقديم طلبات مسبقة خوفاً من مزيد من اضطرابات الإمداد.
في المقابل، تراجع قطاع الخدمات، وانخفضت ثقة الأعمال بشكلٍ ملحوظ، مع استمرار خفض الوظائف، خاصة في التصنيع.
كما ارتفعت تكاليف الإنتاج بأسرع وتيرة في أكثر من ثلاث سنوات، نتيجة زيادة أسعار الطاقة والنقل والمواد الخام والأجور، ما دفع الشركات إلى رفع أسعارها.
فرنسا.. انكماش واضح وضغوط متعددة
أما في فرنسا، فالوضع أكثر سلبية، إذ انكمش القطاع الخاص بأسرع وتيرة منذ أكتوبر تشرين الأول، مع هبوط المؤشر المركب إلى 48.3 في مارس آذار، مقابل 49.9 في فبراير شباط.
شمل الانكماش القطاعين الصناعي والخدمي مع تراجع حاد في الطلبات الجديدة هو الأكبر منذ يوليو تموز الماضي، وسط ضعف الطلب وتأثير الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب حالة الترقب قبل الانتخابات المحلية، كما تراجعت الطلبات الخارجية بأسرع وتيرة في 15 شهراً.
في الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف المدخلات بشكل حاد، الأعلى منذ نوفمبر تشرين الثاني 2023 بسبب ارتفاع أسعار النفط والمعادن مثل النحاس والألمنيوم.
ورغم ذلك، لم تتمكن الشركات من تمرير كامل هذه التكاليف إلى المستهلكين، بسبب ضعف الطلب، ما أدّى إلى زيادات محدودة في الأسعار، بل لجأت بعض شركات الخدمات إلى خفض الأسعار لتحفيز الطلب.
تراجعت الثقة أيضاً بشكل واضح، مع اتجاه الشركات إلى تقليص التوظيف عبر عدم استبدال الموظفين المغادرين.
معادلة صعبة أمام المركزي الأوروبي
تضع هذه المؤشرات البنك المركزي الأوروبي أمام تحدٍ معقد، بين تضخم مرتفع بالتكاليف من جهة، ونمو اقتصادي ضعيف من جهة أخرى.
النتيجة هي بيئة أقرب إلى الركود التضخمي، إذ لا يمكن بسهولة خفض الفائدة لدعم النمو دون المخاطرة بتغذية التضخم، ولا يمكن تشديد السياسة النقدية دون تعميق التباطؤ.

