أكد رجل الأعمال والمحلل الاقتصادي الدكتور سمير حليلة أن تعمق الأزمة المالية الراهنة، وفي مقدمتها تفاقم معضلة فائض الشيكل، يفرض على السلطة الفلسطينية ضرورة معالجة جذرية للسياسات والنماذج الاقتصادية المتبعة لتتلاءم مع الواقع المعيشي الصعب والجديد.
وأوضح حليلة في مقابلة خاصة أن هذه الأزمة باتت ترتبط بخيارات استراتيجية تمس بنية الاقتصاد الفلسطيني، منتقداً غياب رؤية موحدة وحازمة لدى مؤسسات السلطة الوطنية في تحديد آليات واضحة تضمن ضبط الفائض وحماية الجهاز المصرفي والمصلحة العليا.
وشدد على أن تفادي الانزلاق نحو كوارث مالية أعمق يتطلب الانتقال الفوري من مربع "إدارة الأزمات اليومية" المؤقتة إلى إنتاج سياسات اقتصادية فعالة وشجاعة، قادرة على تعزيز الإيرادات المحلية الجبائية وتقليل الاعتماد المطلق على الخارج والاحتلال.
القنوات الرسمية والموازية لتدفق الفائض النقدي
واستعرض الخبير الاقتصادي الجذور التاريخية لتدفقات الشيكل، مشيراً إلى أن العمال الفلسطينيين بالداخل وإنفاق المتسوقين من فلسطينيي الـ48 كانوا يضخون سنوياً نحو 25 مليار شيكل، وهي قيمة كانت تعادل تقريباً حجم الواردات الفلسطينية من إسرائيل عبر الموانئ.
وأضاف أنه رغم التراجع الحاد في أعداد العمال بعد الأحداث العسكرية الأخيرة، إلا أن الدورة النقدية الإجمالية للشيكل قفزت من 35 ملياراً لتتراوح حالياً بين 40 و45 مليار شيكل سنوياً، مما يؤكد نشوء قنوات تدفق غير رسمية موازية.
وعزا هذا التراكم غير المبرر بالمعايير التقليدية إلى تشديد إسرائيل رقابتها على حركة "الكاش" داخل أسواقها، مما دفع بالكتل النقدية الضخمة للهروب نحو مناطق السلطة الفلسطينية التي تفتقر للمنظومات الصارمة والقدرة على الضبط الأمني والمالي الشامل.
كواليس السوق السوداء والفروقات السعرية
وكشف حليلة عن وجود فروقات سعرية ضخمة بين السوقين الفلسطينية والإسرائيلية خلقت سوقاً سوداء واسعة، أبرزها قطاع السجائر والتبغ حيث تبلغ الفروق 50%، مما يولد كميات ضخمة من السيولة النقدية بالشيكل خارج القنوات المصرفية الرسمية والنظامية.
وأشار إلى استغلال الكوتا الفلسطينية المعفاة من الجمارك في ملف اللحوم (5 آلاف طن سنوياً) لإعادة بيعها داخل إسرائيل بأسعار مضاعفة، بدلاً من تسخيرها لخفض الأسعار محلياً، فضلاً عن تزايد الطلب الإسرائيلي غير الرسمي على الدولار والذهب عبر الصرافين.
وأوضح أن هذه الحركة غير الرسمية الواسعة باتت المحرك الأساسي لتراكم الشيكل داخل خزائن البنوك المحلية، مما يتطلب إقرار سياسات تموينية واقتصادية حازمة من وزارة الاقتصاد لمكافحة التهريب المنظم والحد من الأنشطة التجارية المشبوهة التي تستنزف السيولة.
المسؤولية الرسمية وحاضنة فلسطينيي الداخل
ودعا حليلة وزارة الاقتصاد والجهات الرسمية، وليس سلطة النقد وحدها، للإجابة على سؤال استراتيجي حول مدى تلبية هذه التدفقات النقدية للمصلحة الوطنية، والتمييز بين الأنشطة الاستهلاكية الإيجابية وتلك التي تدعم الشبكات والمجالات غير القانونية بالأسواق.
ولفت إلى الأهمية الحيوية لفلسطينيي الداخل كحاضنة اقتصادية رئيسية لأسواق مدن شمال الضفة الغربية (نابلس، جنين، طولكرم، قلقيلية)، نظراً لقدرتهم الشرائية العالية التي تساهم في تعويض انكماش الدورة الاقتصادية واختفاء سوق قطاع غزة كلياً.
وحث على تبني آليات عملية، عبر الاستعانة بجهة دولية محايدة (أمريكية على الأغلب) كما جرى عام 2019، لفحص مصادر هذا الفائض بدقة وطمأنة الجانب الإسرائيلي، والضغط لرفع السقوف السنوية لترحيل الأموال المتفق عليها بين سلطة النقد والبنك المركزي الإسرائيلي.
البدائل الوطنية وتحمل التكاليف المصرفية
وفي حال استمرار الرفض والتعنت الإسرائيلي، أكد حليلة أن السلطة ستكون مضطرة لتبني بدائل داخلية قاسية لتقليل الاعتماد على الشيكل، مثل اعتماد أسعار صرف تفضيلية للرواتب والمعاملات بالدينار الأردني أو الدولار، بالتنسيق المباشر مع المملكة الأردنية الهاشمية.
وحذر من أن العبء الأكبر للأزمة يقع حالياً على عاتق القطاع المصرفي والبنوك التي امتدت خزائنها بسيولة نقدية ضخمة غير مستغلة ومحدودة العائد، مما يرفع تكاليف التأمين والتشغيل ويخلق تحديات قانونية معقدة مع المؤسسات والمصارف المراسلة دولياً.
ونوه إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في التهديدات الإسرائيلية المستمرة، خاصة من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لقطع العلاقات المصرفية المراسلة بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية، مما يهدد بشل حركة التجارة الخارجية وتمويل الواردات الأساسية من الغذاء والدواء بالكامل.
مواجهة المقاصة عبر استراتيجية التصفير
ووصف د. حليلة تعثر الرواتب واحتجاز أموال المقاصة بأنه "هجمة سياسية واضحة" يقودها اليمين الإسرائيلي لتقويض السلطة، مؤكداً أن المواجهة تتطلب قراراً سياسياً جامعاً تشارك فيه الرئاسة ومنظمة التحرير وفصائل العمل الوطني لدعم الحكومة التكنوقراطية الحالية في قراراتها.
ودعا إلى عدم التعويل مطلقاً على الإفراج القريب عن أموال المقاصة، بل التأسيس لسياسة "تصفير المقاصة لإسرائيل" عبر خفض الضرائب المباشرة والبلاد على السلع الأساسية والمحروقات، مستغلين الهوامش المتاحة والمقرة ضمن بنود اتفاق باريس الاقتصادي الساري.
وفصّل مقترحه بالإشارة إلى إمكانية خفض سعر أسطوانة الغاز من 85 شيكلاً إلى 40 شيكلاً، وخفض ضرائب الديزل الذي يستهلك 18% من دخل الأسرة، مؤكداً أن هذه الخطوة تعتبر مكسباً اجتماعياً يدعم صمود المواطنين ويزيل أموال الضرائب من يد الاحتلال.
إعادة هيكلة النظام الجمركي والضريبي
وطرح المحلل الاقتصادي خطوات عملية لتقليل الارتباط بالاحتلال، مثل وقف استيراد المركبات الجديدة مؤقتاً والسماح باستيراد سيارات مستعملة بعمر سنة بحيث تُدفع جماركها داخل الحدود الفلسطينية مباشرة، مما يضمن توفير مئات ملايين الشواكل سنوياً للخزينة العامة.
كما طالب بإعادة هيكلة شاملة للرسوم على السلع الكمالية والسيارات الفارهة لتشديد العبء الضريبي على الفئات الغنية، ومراجعة ضريبة القيمة المضافة، وتفعيل ضريبة الدخل التصاعدية التي ما زالت منخفضة ومحدودة الجدوى مقارنة بالأنظمة المالية السائدة دولياً.
وأردف أن تطبيق موازنة الطوارئ يتطلب حزماً حكومياً وتفعيلاً للرقابة الصارمة على الأسواق لمنع الاحتكار، مستنكراً عدم جدوى قوائم الأسعار الاسترشادية الحالية، ومطالباً بفرض سقوف سعرية إلزامية والتدخل المباشر للدولة في عمليات التوزيع إذا اقتضت الضرورة.
التدخل المباشر للدولة وحماية الأمن القومي
واقترح حليلة إنشاء مؤسسات استهلاكية ومخابز حكومية وتفعيل نظام الكوبونات والدعم المباشر للسلع الأساسية (كالطحين والأرز) لضمان حماية الطبقات الفقيرة التي تعيش تحت خط الفقر، والتي باتت تشكل نحو 70% من إجمالي معيار الأسر الفلسطينية.
وانتقد التردد الرسمي الحالي في اتخاذ القرارات المصيرية، معتبراً أن الرهان على تغير الحكومات الإسرائيلية أو الانتخابات القادمة هو رهان خاسر، لأن السياسات التي فرضها سموتريتش خلقت واقعاً استيطانياً وإدارياً جديداً بالضفة الغربية يهدف لابتلاع الأراضي بالكامل.
وخلص في ملف الضفة الغربية إلى أن بناء المناعة الاقتصادية والاجتماعية يتطلب خفض تكاليف الطاقة والمحروقات، وتوجيه كافة الموارد المتوفرة لدعم الـ40% من الاقتصاد المحلي القائم، بدلاً من الارتهان الكلي للموارد الخارجية البالغة 60% والتي تتقلص باستمرار.
إنعاش اقتصاد غزة ومشاريع المناعة المحلية
وفي ما يخص قطاع غزة، انتقد حليلة "حالة الانتظار الدائم" للمبادرات الدولية أو الهدن السياسية التي أضعفت الموقف الفلسطيني، داعياً إلى الشروع فوراً في بناء عناصر ومقومات "المناعة الاقتصادية" من الأسفل إلى الأعلى للاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين الحياتية.
ودعا إلى التوسع في إعادة تأهيل المخابز المدمرة (حيث جرى ترميم 45 مخبزاً بجهود دولية) وتحويلها لسياسة شاملة تشمل الصناعات الغذائية، ومزارع الأبقار، وإعادة تشغيل الآبار الزراعية المتضررة لضمان توفير الغذاء والحد من المجاعة والارتفاع الجنوني للأسعار.
وضرب مثالاً بملف ركام المنازل، داعياً لإطلاق مشروع وطني واسع لتدوير الركام وتحويله لطوب وحجارة لرصف الطرق وتأهيل المساكن، مؤكداً أن هذا القطاع لا يحتاج لتقنيات معقدة بل لإدارة ميدانية قادرة على تشغيل آلاف الشباب العاطلين عن العمل.
استثمار النفايات والزراعة المائية المنزلية
كما أشار إلى إمكانية تحويل 55% إلى 60% من النفايات الصلبة المتراكمة بغزة إلى سماد عضوي (كمبوست) لتحسين التربة الزراعية وتشغيل الأيدي العاملة، مشيداً بتجارب مجلس الإسكان الفلسطيني الذي نجح بترميم مئات الوحدات السكنية المتضررة بتكاليف مادية بسيطة.
وختم حليلة حديثه بالتشديد على أن قطاع الزراعة يشكل صمام الأمان الحقيقي للمناعة الوطنية والملاذ الآمن للفقراء، داعياً وزارة الزراعة لوضع سياسات تحمي المعروض المحلي وتوقف التصدير للأسواق الإسرائيلية لضمان خفض الأسعار وتحقيق الاكتفاء الذاتي للمواطنين.
وحث على نشر ثقافة الزراعة المائية المنزلية والتعاونيات العائلية المعتمدة على تقنيات موفرة للمياه ومساحات صغيرة، لخلق حالة إنتاجية واسعة تجعل المجتمع الفلسطيني أقل تطلباً واعتماداً على الأسواق الخارجية، وتحول الاقتصاد لآلية صمود حقيقية في وجه الحصار.

