أعلن مجلس الوزراء الفلسطيني في جلسته الأسبوعية الأخيرة عن تشكيل مجلس إدارة تأسيسي للشركة الوطنية للمحروقات، ومكلفاً إياه بفصل بياناتها المالية وإعداد إطارها القانوني الشامل. ويهدف القرار الحكومي الجديد المندرج تحت الجلسة رقم 75 إلى تعزيز قطاع الطاقة، وتنظيم الأسواق المحلية، وتنويع مصادر الإمدادات الحيوية مع جلب استثمارات أجنبية ومحلية ملايين الدولارات للخزينة. وستعمل الشركة برأس مال مرتفع تسيطر فيه الحكومة على حصة الأسد بنسبة 51% لضمان التحكم والرقابة، بينما يُتاح للقطاع الخاص الشراكة والاستثمار بنسبة 49% من الأسهم الكلية.
تعزيز الشفافية وتوزيع الأدوار بين الهيئة والشركة
أكد رئيس الهيئة العامة للبترول، مجدي الحسن، أن فصل الهيئة التنظيمي عن العمليات التجارية البحتة يعد خطوة استراتيجية طال انتظارها لرفع كفاءة إدارة هذا القطاع الحيوي وتعزيز النزاهة. من جانبه، أوضح مدير مركز الاتصال الحكومي الدكتور محمد أبو الرب، أن إنشاء الشركة لن يلغي دور الهيئة العامة للبترول التي ستتفرغ كلياً لرسم السياسات العامة والإشراف الرقابي. وشبه أبو الرب هذه الهيكلية الجديدة بقطاع الكهرباء المحلي، حيث تعمل الشركة الفلسطينية للنقل جنباً إلى جنب مع سلطة الطاقة والموارد الطبيعية لضمان الكفاءة التشغيلية والرقابية بالبلاد.
مخاوف الأسعار والتهريب والتحليل المالي للضرائب
أعرب خبراء اقتصاديون عن مخاوفهم من إمكانية رفع الحكومة للدعم المالي بالكامل عن المحروقات، مما قد يدفع الأسعار للتطابق مع السوق الإسرائيلية ويفقد المحطات المحلية ميزتها التنافسية. وحذر الخبراء من أن تراجع استهلاك المحروقات بالضفة الغربية حال ارتفاع الأسعار قد يؤدي لانخفاض حاد في إيرادات السلطة الوطنية، أو يعزز ظاهرة التهريب المنظم عبر مناطق التماس. بالمقابل، نفى الخبير سمير حليلة ارتباط القرار بالأسعار، مذكراً بأن بروتوكول باريس يتيح بيع البنزين بأقل من إسرائيل بنسبة 15%، ومشيراً إلى أن ضريبة المحروقات بلغت 3.3 مليار شيقل.
آفاق الاستثمار والاستيراد المباشر والموقف الإسرائيلي
يرى حليلة أن أهمية الشركة تكمن في قدرة السلطة على جلب الاستثمارات الكبرى، وتخزين المشتقات النفطية، والتوجه نحو الاستيراد المباشر من الخارج، وصولاً لإنشاء محطة تكرير وطنية مستقبلاً. ومع ذلك، أبدى حليلة تفضيله لقيادة القطاع الخاص لهذا المشروع لسببين جوهريين: أولهما نقص السيولة الحاد بالخزينة العامة، وثانيهما الخشية من موقف إسرائيلي سلبي تجاه شركة حكومية. يذكر أن الدعم الحكومي للمحروقات انخفض لـ600 مليون شيقل جراء الأزمة المالية، وهو عبارة عن تخفيض هامش ضريبة "البلو" لمنح المستهلك فارقاً سعرياً يصل لشيقل واحد في اللتر.
لغة الأرقام ومعدلات الاستهلاك السنوي للمحروقات
تظهر البيانات الرسمية أن معدل الاستهلاك السنوي للأراضي الفلسطينية من المحروقات يتجاوز 1.4 مليار لتر، بمتوسط طلب شهري يبلغ حوالي 95 مليون لتر تستورد بالكامل من إسرائيل. ويستحوذ وقود الديزل (السولار) على الحصة الأكبر من الاستهلاك بنسبة تتخطى 60%، في حين تشكل الضرائب المختلفة (القيمة المضافة والبلو) أكثر من ثلثي السعر النهائي للمستهلك الفلسطيني. ويثير هذا الاعتماد الكلي على السوق الإسرائيلية تساؤلات جدية حول قدرة الشركة الجديدة على إيجاد قنوات استيراد بديلة عبر الموانئ أو الدول المجاورة للتخلص من التبعية الاقتصادية.
القانون الأساسي ومعضلة الفصل بين الخصخصة والتأميم
أوضح الباحث الاقتصادي الدكتور طارق عاشور أن المادة 21 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 تؤسس للاقتصاد الحر، لكنها تجيز للحكومة استثناءً إنشاء شركات عامة تنظم بقانون. وتساءل عاشور عن غياب القانون المنظم للشركة حتى الآن، معتبراً أن إدارتها بقرارات تنفيذية قبل الخضوع لرقابة تشريعية يضعها في مهب التساؤلات حول نوايا الخصخصة المستقبلية أو التأميم الشامل. واختتم بمقارنة فكر رئيس الوزراء محمد مصطفى الذي بنى قطاع الاتصالات قبل عقود على مبادئ السوق الحر والمنافسة، بينما يكتب اليوم فصلاً مختلفاً بتوسيع الدور التجاري للحكومة بالأسواق.

