اليوم الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦م

اللحوم أصبحت حلماً.. عيد بلا أضاحٍ للعام الثالث في غزة

اليوم, ٢:٤٩:٥٢ م
أرشيفية
الاقتصادية

وكالات/ الاقتصادية

للعام الثالث توالياً، يُحرم الفلسطينيون في قطاع غزة من شعائر عيد الأضحى، بسبب تبعات الإبادة الإسرائيلية، فلا حجاج غادروا لأداء المناسك ولا أضاحي دخلت إلى القطاع المحاصر، وكأن الناس يعيشون خارج نطاق الزمن. وبين مزارعين فقدوا مصادر أرزاقهم بسبب الإبادة الإسرائيلية، وعائلات نازحة أنهكها الجوع، تتلاشى طقوس العيد التي اعتادها الفلسطينيون، لتحل محلها مشاهد الخيام والحرمان.

داخل أسواق المواشي لا تسمع صوت الخراف ولا ترى صفوف العجول كما السنوات السابقة، إذ يخيم الصمت على الحظائر القليلة الناجية من الإبادة، ويقف مزارعون يائسون بجانب خراف معدودة ونادرة، يعرضونها بأسعار فلكية. ورغم مرور 7 أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا يزال الحصار الإسرائيلي يمنع دخول المواشي الحية، ما أدى إلى انهيار شبه كامل لقطاع الثروة الحيوانية.

وكان سعر الخروف في أسواق غزة قبل الحرب الإسرائيلية يصل لنحو 423 دولاراً، فيما بلغ سعر الكيلوغرام الحي نحو 8 دولارات. أما في موسم عيد الأضحى 1447هـ/ 2026، فتجاوز سعر الخروف 5 آلاف دولار، وقد يصل إلى 6 أو 7 آلاف دولار بحسب الوزن، بينما ارتفع سعر الكيلوغرام الحي إلى ما بين 80 و115 دولاراً. ويحتفل المسلمون حول العالم، بعيد الأضحى هذا العام يوم الأربعاء، بينما يواصل حجاج بيت الله الحرام أداء مناسكهم.

 

أعيش سنوات عجافاً
في منطقة جباليا شمالي القطاع، وداخل حظيرته الصغيرة قرب المنطقة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، يقف علي مهرة متأملاً فراغ المزرعة التي كانت حتى وقت قريب تضجّ بأصوات المئات من رؤوس الماشية مع اقتراب عيد الأضحى. وموسم عيد الأضحى كان بالنسبة لمهرة، يبعث الرزق والفرح، لكنه تحول إلى مساحة واسعة من الخسارة والحرمان.

يقول الرجل لوكالة الأناضول: "أعيش سنوات عجافاً، وحالة كساد غير مسبوقة"، بسبب الحرب الإسرائيلية. ويؤكد أن "مربي الثروة الحيوانية يتعرّضون لخسائر فادحة نتيجة انعدام المواشي ومنع إدخالها إلى القطاع". ومتحدثاً بحسرة، عن الأوضاع قبل الإبادة، قائلاً: "كنا نسترزق من مواسم الأضاحي في العشر الأوائل من ذي الحجة، نبيع خلالها أكثر مما نبيعه طوال العام، لكننا اليوم أصبحنا عاطلين عن العمل".

ويستعيد الرجل الخمسيني ملامح المواسم السابقة، حين كانت المزارع والأسواق تعجّ بالأغنام والعجول، فيما يملأ الأطفال الشوارع بملابس العيد الجديدة وأجواء البهجة. أما اليوم، كما يقول: "فإن الفقر والحرمان طغيا على كل شيء". ويشير إلى أنه كان يمتلك قبل الحرب نحو 700 رأس ماشية من مختلف الأنواع، لكن معظمها نفقت جراء القصف الإسرائيلي ونقص الأعلاف والرعاية بسبب الحصار، بينما اضطر إلى بيع ما تبقى بأسعار زهيدة "لإنقاذ ما يمكن إنقاذه". وبنبرة مؤلمة، يقول إن مجموع ما تكبده من خسائر فاق 100 ألف دولار.

 

اللحوم أصبحت حلماً في غزة
ومع انهيار الاقتصاد بقطاع غزة، يؤكد الفلسطينيون أنهم باتوا عاجزين حتى عن شراء الكميات القليلة المتوفرة من اللحوم أو الأضاحي، بسبب أسعارها الباهظة، وانعدام مصادر الدخل. وفي مخيم إيواء قرب ميناء غزة، تبدو صورة العيد أكثر قسوة لدى آلاف العائلات النازحة التي تعيش بين الخيام، وتصارع يومياً لتأمين الماء والطعام. هناك، يجلس كمال حجازي (52 عاماً) أمام خيمته المهترئة، بينما يراقب أطفاله وهم يلهون فوق الرمال، بعينين مثقلتين بالعجز.

يقول حجازي إن اللحوم "باتت حلماً بعيد المنال"، مضيفاً: "زوجتي لم تطبخ اللحم منذ شهور طويلة، فسعره باهظ جداً، وأنا عاطل عن العمل". ويمر عيد الأضحى على العائلة، كما العامين السابقين، بلا أي ملامح حقيقية للعيد، وفق حديثه، إذ لا تزال الأسرة تعيش داخل خيمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. ويتابع بألم: "ينتابني القهر يومياً وأنا أفكر ماذا سأقول لأطفالي في العيد؟ فلا ملابس جديدة، ولا أماكن ترفيهية، ولا حتى لحوم الأضاحي متوفرة". ويختتم حجازي حديثه بعبارة تختصر حال كثيرين في القطاع: "ضاقت الحياة علينا كثيراً"، متسائلاً: "إلى متى ستبقى هذه الحال؟".

 

موقف رسمي
من جهتها، قالت وزارة الزراعة الفلسطينية بقطاع غزة، الاثنين، إن حرمان أكثر من مليوني فلسطيني من الأضاحي للعام الثالث على التوالي، يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلقتها الحرب الإسرائيلية. وأضافت أن قطاع غزة كان يستقبل سنوياً قبل الحرب من 10 إلى 20 ألف عجل، إضافة إلى ما بين 30 ألفاً و40 ألف رأس من الأغنام لتلبية احتياجات موسم الأضاحي. وأرجعت الوزارة غياب الأضاحي إلى التدمير الممنهج الذي طاول المزارع والحظائر ومخازن الأعلاف والمستشفيات البيطرية خلال الحرب، إلى جانب منع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية.

وأوضحت أن شح الأعلاف وارتفاع أسعار المتوفر منها تسبّبا في "القضاء على ما تبقى من الثروة الحيوانية"، وسط خسائر "كارثية تهدد بخروج مربي المواشي بالكامل من هذا القطاع". ورغم ذلك، تقوم بعض المنظمات الإغاثية بتوفير عشرات الأضاحي المحلية النادرة أو إدخال لحوم معلبة، لكن هذه الجهود تبقى محدودة جداً ولا تغطي احتياجات السكان البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة.

وجرى التوصل لوقف إطلاق للنار بعد عامين من إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت لاحقاً بأشكال متعددة، وخلّفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني وما يزيد على 172 ألف جريح، ودماراً واسعاً طاول 90% من البنى التحتية المدنية، بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار. وتخرق إسرائيل الاتفاق يومياً، عبر القصف الذي يسفر عن قتلى وجرحى، فضلاً عن خرقها البروتوكول الإنساني المتعلق بالمساعدات الإنسانية، ما أدى إلى استمرار الكارثة.