اليوم الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦م

تحذير.. العملات الرقمية المستقرة قد تتحول إلى قنبلة مالية موقوتة

اليوم, ٣:٠١:١٥ م
أرشيفية
الاقتصادية

وكالات/ الاقتصادية

بين وعود الابتكار المالي ومخاطر الانهيار الاقتصادي، تتقدم العملات الرقمية المستقرة (Stablecoins) بسرعة نحو قلب النظام المالي العالمي، مدفوعةً بدعم سياسي وتشريعي متزايد في الولايات المتحدة. لكن خلف صورة التكنولوجيا الحديثة والمدفوعات السريعة، ترتفع أصوات تحذر من أن العالم قد يكون بصدد إعادة إنتاج أزمات "المال الخاص" التي هزّت الاقتصادات في القرن التاسع عشر.

 

وفي تفاصيل أوردتها وول ستريت جورنال اليوم الاثنين، فإن العملات الرقمية المستقرة، المرتبطة بالدولار الأميركي والمصمّمة للحفاظ على قيمة ثابتة، باتت تُقدَّم باعتبارها "الثورة المقبلة" في عالم المال، إذ تعد بتحويلات أسرع وأرخص وأكثر كفاءة، خصوصاً عبر الحدود، مقارنة بالنظام المصرفي التقليدي. غير أن هذا الوعد يخفي مفارقة خطيرة: هذه العملات تحاول أن تؤدي دور الدولار من دون أن تكون جزءاً فعلياً من البنية النقدية الرسمية التي يديرها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

 

واليوم، تجاوزت قيمة سوق العملات الرقمية المستقرة 300 مليار دولار، تتصدرها عملتا "تيذر" (Tether) و"يو إس دي تي" (USDT)، فيما تتسابق الشركات والمنصات المالية لتوسيع استخدامها عالمياً. لكن الخبراء يرون أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن هذه العملات ليست "أموالاً عامة" تصدرها الدولة، بل أموال خاصة تديرها شركات هدفها الأساسي الربح. وهذا ما يجعلها عرضة للسلوكيات نفسها التي قادت مراراً إلى أزمات مالية عبر السعي وراء العوائد الأعلى وتوسيع الاستخدام بأي ثمن والمجازفة بأصول قد تفقد قيمتها عند أول صدمة.

 

وتنقل الصحيفة الأميركية عن اقتصاديين تحذيرهم من أن العملات المستقرة قد تتحوّل سريعاً إلى مصدر ذعر مالي إذا فقد المستخدمون الثقة بقدرة الجهات المصدّرة على استرداد قيمة العملات بالدولار الحقيقي. ففي هذه الحالة، قد يندفع المستثمرون إلى البيع الجماعي، ما يفرض تصفية أصول ضخمة بشكل سريع ويهدد أسواق المال وحتى القطاع المصرفي التقليدي.

 

ورغم أن الولايات المتحدة أقرّت قوانين جديدة مثل "جينيوس آكت" (Genius Act) و"كلاريتي آكت" (Clarity Act) لتنظيم القطاع وفرض ربط العملات المستقرة بأصول آمنة كأذونات الخزانة الأميركية، فإن مسؤولين في الاحتياطي الفيدرالي يؤكدون أن الثغرات لا تزال كبيرة، وأن التشريعات لا تستطيع إزالة المخاطر الكامنة في طبيعة هذه العملات نفسها.

 

المفارقة أن العالم عاش تجربة مشابهة قبل نحو قرنين، حين كانت المصارف والشركات الخاصة في الولايات المتحدة تصدر عملاتها الخاصة خلال ما عُرف بـ"عصر المصارف الحرة" بين 1837 و1863. يومها، أدّى تعدد العملات وضعف الضمانات وعمليات الاحتيال إلى فوضى نقدية وانهيارات مصرفية متكررة، قبل أن تتدخل الدولة لفرض نظام نقدي مركزي أكثر صرامة.

 

حتى صناديق أسواق المال الحديثة التي تشبه إلى حد ما فكرة العملات المستقرة واجهت أزمة حادة خلال الانهيار المالي العالمي عام 2008 عندما عجز أحد الصناديق عن الحفاظ على قيمة الدولار الواحد لحصصه، ما تسبب بحالة هلع واسعة في الأسواق. ورغم كل التحذيرات، يبدو، بحسب وول ستريت جورنال، أن العملات المستقرة أصبحت أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه، خصوصاً مع تنامي استخدامها عالمياً، وإن كان الجزء الأكبر منها لا يزال مرتبطاً بالمضاربات وتداول العملات الرقمية أكثر من استخدامه في الاقتصاد الحقيقي.

 

كما تنسب الصحيفة إلى دراسات أميركية إشارتها إلى أن أقل من 1% من استخدام العملات الرقمية المستقرة يذهب فعلياً إلى المدفوعات التجارية اليومية، بينما ترتبط نسبة كبيرة منها بعمليات التحايل على العقوبات وغسل الأموال والالتفاف على القيود المالية في دول عدة. وفي مواجهة هذا التوسّع، بدأت المصارف التقليدية بدورها تطوير بدائل رقمية خاصة بها، مثل "الودائع المرمّزة" القائمة على تقنية البلوك تشين، في محاولة للجمع بين سرعة التكنولوجيا وضمانات النظام المصرفي التقليدي.