غزة/ الاقتصادية
عُقدت في العاصمة المصرية القاهرة ورشة عمل فنية موسعة وغير معلنة الأسبوع الماضي بمشاركة كامل أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتحت إشراف مباشر من معهد توني بلير للتغيير العالمي. وكشفت الوثائق المسربة لجدول أعمال ورشة العمل التحضيرية التي احتضنتها القاهرة على مدار يومين في الأسبوع الماضي، عن نوايا مجلس السلام ورؤيته لإعادة هيكلة الحياة اليومية والاقتصادية في قطاع غزة. وكان الهدف الجوهري من هذا اللقاء غير المعلن هو تفعيل مناقشات فنية وتشغيلية تفصيلية بين مختلف اللجان التابعة للجنة الوطنية لإدارة غزة، بغرض مراجعة المؤشرات، وحسم المسائل العالقة، وتوحيد الأولويات، تمهيداً لرفع التوصيات وصياغة وثائق القرار النهائية أمام القيادة العليا للمجلس.
تحويل اقتصاد غزة إلى اقتصاد رقمي
ولم تقتصر النقاشات في القاهرة على الجوانب الإدارية التقليدية، بل تجاوزتها إلى صياغة تحولات جذرية في طبيعة الحياة الاقتصادية داخل القطاع. فقد خصصت الورشة جلسة موسعة لمناقشة مشروع "المحفظة الرقمية"، وهو التوجه الذي يعتزم مجلس السلام تطبيقه على نطاق واسع لتحويل اقتصاد غزة إلى نظام رقمي متكامل، كبديل حتمي للاعتماد على السيولة النقدية التقليدية التي تضررت قنواتها بفعل الحرب.
وتكاملت هذه الرؤية مع جلسات تعبئة المانحين التي بحثت سبل استقطاب دعم دولي جديد، لا سيما بعد تعثر وصول الجزء الأكبر من تعهدات مؤتمر المانحين السابق البالغة 17 مليار دولار، نتيجة لإعادة ترتيب دول الخليج لأولوياتها المالية إثر التوترات الإقليمية الأخيرة.
كما أخذت الأبعاد الإنسانية والميدانية حيزاً رئيسياً في أجندة القاهرة، حيث ناقشت ورشة العمل ملف "المخيمات الإنسانية والمجتمعات المؤقتة واحتياجات التعافي المبكر". وتشير الخطط المطروحة إلى أن المجلس يعتزم تشييد أول تجمعات سكنية مؤقتة فوق أنقاض مدينة رفح، وتحديداً في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي والتي تُعرف في الأروقة الدولية باسم "المنطقة الخضراء".
ويأتي هذا التوجه بالرغم من التعقيدات الميدانية الناتجة عن توجيهات رئيس الوزراء في دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بفرض السيطرة العسكرية على مساحات إضافية تصل إلى 20% من القطاع، مما يضع المشاريع الإنسانية المقترحة في مواجهة اختبار حقيقي حول مدى قبول الفلسطينيين بالانتقال إلى مناطق تحت النفوذ الإسرائيلي المباشر.
توني بلير ومعهده.. نفوذ متصاعد يقود التخطيط الاستراتيجي والتنفيذي
تبرز بصمات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير كقوة دافعة ومحورية في هندسة هذه اللقاءات والورش التدريبية؛ إذ لم يعد دور معهد التغيير العالمي التابع له مجرد جهة استشارية هامشية، بل تحول إلى شريك رئيسي لمجلس السلام في صياغة الخطط والبرامج التدريبية. وقد تولى المعهد بشكل كامل تنظيم وإدارة الجلسات التعريفية والتأهيلية التي خضع لها أعضاء اللجنة الوطنية الفلسطينية في القاهرة، مستفيداً من الموارد اللوجستية والفنية الضخمة التي وضعتها المؤسسة تحت تصرف مشروع إدارة غزة.
ويمتد هذا النفوذ المتزايد لبلير إلى القمة الاستراتيجية المنعقدة حالياً في قبرص، والتي يشارك فيها بلير شخصياً برفقة وفد يضم نحو ثمانية من كبار مستشفي وموظفي معهده الدولي. ويهدف هذا الحضور المكثف إلى الإشراف على صياغة الترتيبات الأمنية والتخطيط المكاني المتطور، إلى جانب وضع الأطر القانونية والحوكمية الحاكمة للمرحلة الانتقالية.
الهيكلية الجديدة لغزة.. وجوه مستحدثة واستعانة بخبرات أمريكية
تتألف اللجنة الوطنية لإدارة القطاع من بنية وزارية مصغرة تضم ما لا يقل عن 12 مفوضاً، يتولى كل منهم مسؤولية ملف حيوي لإعادة تشغيل المرافق الأساسية، وتشمل هذه المكاتب قطاعات الزراعة، والاتصالات، والتعليم، والمالية، والصحة، والإسكان، والعدل، والتجارة، والمرافق العامة، بالإضافة إلى الضمان الاجتماعي والأمن الداخلي.
وشهدت كواليس ورشة القاهرة إدخال كوادر تخصصية جديدة لم يُعلن عنها رسمياً بعد، من بينها تعيين ثلاثة نواب للعمل مباشرة تحت قيادة مفوض الأمن الداخلي سامي نسمان، حيث جرى دمج هؤلاء المسؤولين الجدد في الجلسات المشتركة لتوحيد الرؤى الإدارية.
ومن الملامح المثيرة للاهتمام في التركيبة الحالية لفريق عمل مجلس السلام، انضمام عدد من المسؤولين الأمريكيين الذين تم استقطابهم من خلفيات إدارية متنوعة، بما في ذلك أسماء ارتبطت سابقاً بمبادرات الكفاءة الحكومية في الولايات المتحدة. وقد تضافرت جهود هذه الكوادر مع طاقم مكتب الممثل السامي لنيكولاي ملادينوف ومستشاري معهد بلير، في محاولة لخلق بيئة عمل تمهد لإدارة الملفات الأكثر حساسية وعلى رأسها تشكيل قوة شرطة فلسطينية محلية وقوة استقرار دولية موازية لحفظ الأمن وتأمين الحدود.
معضلة السلاح والاشتراطات السياسية.. جدار العقبات الميدانية
بالرغم من الدقة الفنية التي اتسمت بها ورش العمل في القاهرة وقبرص، فإن الهوة لا تزال واسعة بين الخطط النظرية والواقع الميداني المعقد في قطاع غزة. ويؤكد المبعوث الدولي لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، أن حجر العثرة الحقيقي أمام تمكين اللجنة الوطنية من مباشرة مهامها يتمثل في الرفض القاطع من جانب حركة حماس للتخلي عن ترسانتها العسكرية. وفي المقابل، تشير الدبلوماسية الوسيطة من مصر وقطر وتركيا إلى أن المفاوضات تشهد مناورات متبادلة، حيث انتقلت حماس مؤخراً من الرفض المطلق لفكرة نزع السلاح إلى إبداء مرونة مشروطة تتعلق بتسليم أسلحة الأجهزة الشرطية والقطع الثقيلة المتبقية لديها، مع التمسك الشديد بالأسلحة الخفيفة والفردية خشية فقدان أوراق الضغط السياسي.
ولا تتوقف العقبات عند حدود موقف حماس، بل تمتد لتشمل الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، والتي تبدي تراجعاً ملحوظاً في التعاون مع اقتراب انتخابات الكنيست، وترفض حتى الآن منح الموافقات الرسمية اللازمة لنشر قوات الاستقرار الدولية أو توقيع اتفاقيات الوضع القانوني للقوات الأجنبية المتوقع تمركزها في القطاع. ومع استنفاد واشنطن لجزء كبير من رصيدها السياسي في احتواء جبهات إقليمية أخرى، يبقى الرهان معلقاً على ما إذا كانت الترتيبات الفنية والاستراتيجية التي يخطط لها توني بلير ومجلس السلام كافية لإقناع الأطراف المتصارعة بالانخراط في تسوية شاملة، أم أن غياب الجدول الزمني سيبقي هذه الخطط حبيسة الغرف المغلقة إلى إشعار آخر.

