غزة/ الاقتصادية
تواجه المنظومة الاقتصادية والمصرفية الفلسطينية أزمة متفاقمة نتيجة احتجاز نحو 17 مليار شيقل من الأوراق النقدية داخل خزائن البنوك الفلسطينية في الضفة الغربية، إثر القيود التي تفرضها حكومة الاحتلال على إعادة فائض عملة الشيقل إلى بنك إسرائيل، وقد تحولت هذه الأزمة من مشكلة مصرفية إلى تحدٍ اقتصادي وأمني يحمل تداعيات واسعة على استقرار الاقتصاد الفلسطيني.
وفي هذا السياق، حذّر السفير الأمريكي السابق لدى تل أبيب، توم نايدز، من أن سياسة قطع القنوات المصرفية وتجميد مليارات الشواقل خارج النظام المالي الرسمي تمثل خطأً استراتيجياً، معتبراً أنها قد تأتي بنتائج عكسية على الاحتلال نفسه.
وأوضح أن هذه الأموال أصبحت مجمدة فعلياً، إذ لا تستطيع المصارف الفلسطينية توظيفها في الإقراض أو الاستثمار أو تسديد مستحقات الموردين والشركات، الأمر الذي يفاقم أزمة السيولة ويزيد الضغوط على القطاع المصرفي والاقتصاد الفلسطيني، ويدفع جزءاً من النشاط المالي نحو قنوات غير رسمية يصعب تتبعها أو الرقابة عليها.
كيف تحول "بروتوكول باريس" إلى مصيدة مالية؟
يستند الارتباط المالي بين الاقتصاد الفلسطيني واقتصاد الاحتلال إلى بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، الذي جعل الشيقل العملة الرئيسية المتداولة في السوق الفلسطينية.
وبموجب هذا الواقع، يعتمد الفلسطينيون على الشيقل في مختلف معاملاتهم اليومية، من الأجور والشراء والادخار، بينما لا تمتلك المصارف الفلسطينية صلاحية إعادة فائض العملة مباشرة إلى الاحتلال، باعتبار الشيقل عملته الرسمية.
وبدلاً من ذلك، تتم إعادة فائض الشيقل عبر بنكين إسرائيليين رئيسيين، هما بنك هبوعليم وبنك ديسكونت، اللذان كانا يعملان بموجب إعفاءات قانونية تمنحهما وزارة مالية الاحتلال، تحميهما من أي تبعات قانونية أو مخاطر مرتبطة بالتعاملات المالية مع المصارف الفلسطينية.
وعلى مدار سنوات، أتاح تجديد هذه الإعفاءات سنوياً استمرار تدفق النقد، وتسوية المدفوعات بين الجانبين، والحفاظ على قدرة البنوك الفلسطينية على الإقراض وتمويل النشاط الاقتصادي.
إلا أن هذا الترتيب تعرض لانتكاسة كبيرة بعدما قررت حكومة الاحتلال وقف العمل بالإعفاءات، في خطوة ربطتها بتوجهات السلطة الفلسطينية على الساحة الدولية.
وأدى القرار إلى تعطيل آلية إعادة فائض الشيقل، ما فاقم أزمة السيولة في الجهاز المصرفي الفلسطيني، وحوّل مشكلة مزمنة إلى أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة تهدد انتظام الدورة الاقتصادية.
أرقام وتداعيات
تفاقمت الأزمة مع فرض الاحتلال سقفًا منخفضًا لإعادة فائض الشيقل من المصارف الفلسطينية، إذ لا يتجاوز السقف الحالي نحو 4.5 مليار شيقل كل ثلاثة أشهر، وهو مستوى يقل بكثير عن احتياجات السوق الفلسطينية التي تشهد تراكمًا متزايدًا في السيولة النقدية.
ويؤكد مختصون أن قيمة الأموال لا تكمن في تخزينها داخل الخزائن، بل في قدرتها على التحرك داخل الدورة الاقتصادية، ومع تعطل إعادة فائض الشيقل، باتت المصارف الفلسطينية تواجه صعوبات متزايدة في توظيف هذه السيولة، ما حدّ من قدرتها على منح القروض وتمويل المشاريع السكنية والإنتاجية، وأضعف التمويل الموجه للشركات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
كما انعكس ذلك على النشاط الاقتصادي بصورة مباشرة، إذ أدى تجميد مليارات الشواقل خارج الدورة المالية إلى تراجع حركة التجارة والاستثمار، وكأن هذه الأموال خرجت بالكامل من الاقتصاد، رغم بقائها مكدسة داخل خزائن البنوك، بما يفرض عليها تكاليف مرتفعة للتخزين والتأمين دون أي مردود اقتصادي، ويزيد من حدة الاختلالات في السوق الفلسطينية.
مفعول عكسي يهدد اقتصاد الاحتلال وأمنه
تُبرر سلطات الاحتلال تشديد القيود على التحويلات المصرفية مع البنوك الفلسطينية بمخاوف تتعلق بإمكانية استغلالها في عمليات غسل الأموال أو تمويل المقاومة، إلا أن خبراء اقتصاديين وأمنيين يرون أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تؤدي إلى إضعاف القنوات المالية الرسمية بدلاً من تعزيز الرقابة عليها.
وتشير تقديرات صادرة عن مؤسسات دولية، بينها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة العمل المالي (FATF)، إلى أن تقييد الخدمات المصرفية الرسمية لا يحد من مخاطر التمويل غير المشروع، بل يدفع التعاملات المالية نحو شبكات الحوالات غير الرسمية والصرافين غير المرخصين، ما يقلل من قدرة الجهات الرقابية على تتبع حركة الأموال ومراقبتها.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن دوائر أمنية داخل جيش الاحتلال وجهاز الشاباك وأجهزة أخرى أبدت تحفظات على تشديد القيود المصرفية، محذرة من أن تدهور الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية قد ينعكس على الاستقرار الأمني ويؤدي إلى تصاعد التوتر.
كما تمتد تداعيات الأزمة إلى اقتصاد الاحتلال نفسه، إذ تُعد السوق الفلسطينية من أبرز أسواق السلع الإسرائيلية، فيما تمر المدفوعات التجارية بين الجانبين عبر الجهاز المصرفي الفلسطيني، وبالتالي، فإن تعطل قدرة البنوك الفلسطينية على تسوية المدفوعات أو إعادة فائض الشيقل لا يضر بالاقتصاد الفلسطيني فحسب، بل يؤثر أيضاً على الشركات الإسرائيلية التي تعتمد على السوق الفلسطينية في تصريف منتجاتها وتحصيل مستحقاتها المالية.
فخ السيولة
وصف البنك الدولي في أيلول/سبتمبر 2025 أزمة تراكم فائض الشيقل في البنوك الفلسطينية بأنها "فخ سيولة"، معتبراً أن معالجة المشكلة لا تتطلب مساعدات دولية جديدة أو حزم إنقاذ مالية، بل السماح بإعادة فائض العملة إلى الاحتلال واستئناف تدفقها الطبيعي داخل الدورة المصرفية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن إنهاء الأزمة والإفراج عن نحو 17 مليار شيقل المحتجزة من شأنه أن يعزز الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بما يتراوح بين 1.5 و2.5 مليار دولار سنوياً، وأن يعيد نحو 250 مليون دولار من الإيرادات المصرفية المفقودة، إلى جانب توفير عشرات آلاف فرص العمل في القطاع الخاص خلال السنوات الثلاث المقبلة، في ظل معدلات بطالة تتجاوز 50%.
مطالب دولية بإنهاء الأزمة
تتقاطع تقديرات المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة ومجموعة السبع وصندوق النقد الدولي، حول ضرورة اتخاذ حكومة الاحتلال خطوات عاجلة لمعالجة أزمة فائض الشيقل في النظام المصرفي الفلسطيني، وتشمل هذه الخطوات إعادة تفعيل آلية إعفاء التعويضات للمصارف الإسرائيلية على أساس متعدد السنوات بدلاً من التمديدات القصيرة والمتكررة التي تُبقي النظام المالي في حالة عدم استقرار، إضافة إلى رفع سقف إعادة الشيقل بما يتناسب مع حجم التدفقات النقدية الفعلية في السوق الفلسطينية.
وتشير هذه الجهات إلى أن المخاوف المتعلقة بالرقابة يمكن معالجتها عبر آليات تدقيق دولية مشتركة، سبق أن جرى استخدامها في التعاون بين سلطة النقد الفلسطينية ووزارتي الخزانة الأمريكية والبريطانية، بما يضمن الشفافية ويبدد الشكوك. وفي هذا السياق، ترى أوساط دبلوماسية أن استمرار الأزمة يحمل مخاطر تتجاوز البعد الاقتصادي، إذ إن تدهور الأوضاع المعيشية والمالية يُعد عاملاً غير مستقر أمنياً، بينما يمكن حل الأزمة عبر إجراءات تنظيمية بسيطة تسمح بإعادة انسياب العملة داخل النظام المصرفي بشكل طبيعي.
"العلاج الذي اختارته إسرائيل أسوأ من المرض"
ويقول نايدز: أنا لست ساذجًا بشأن المخاوف الأمنية لإسرائيل، أمضيتُ عامين منغمسًا في هذه القضايا، وأدرك تمامًا سبب تأثيرها على السياسة الإسرائيلية، لكن السؤال الأهم هو: هل السياسة الحالية تُعالج هذه المخاوف فعلاً؟ الإجابة، من جميع المحللين الموثوقين الذين درسوا هذا السؤال، هي: لا. بل إنها تُفاقمها، فالعلاج الذي اختارته إسرائيل أسوأ من المرض.
ووفق الإحصائيات، كانت السلطة الفلسطينية ثالث أكبر سوق تصدير لإسرائيل في عام 2022، وبلغت قيمة المعاملات عبر البنوك الفلسطينية حوالي 53 مليار شيقل في عام 2023 وحده، وتعتمد شركات البناء ومصدرو المواد الغذائية وموردي الوقود وشركات التكنولوجيا على القوة الشرائية الفلسطينية، وعندما تعجز البنوك الفلسطينية عن معالجة المدفوعات، تعجز عن سداد الفواتير التي تُدفع بالشيقل، وبالتالي، لا يحصل الموردون الإسرائيليون على مستحقاتهم.
كما لإسرائيل، وفقا لسفير واشنطن السابق نايدز، مصلحة عميقة في وجود سلطة فلسطينية قادرة على الحكم، فالانهيار الاقتصادي يقوض شرعية السلطة الفلسطينية، ويضعف مؤسساتها، ويجعل استمرار التعاون الأمني أكثر صعوبة، وتدرك إسرائيل هذا الأمر بوضوح.

