وكالات/ الاقتصادية
أعاد التصعيد العسكري الأميركي الإيراني، الذي دخل مرحلة أكثر حدة منذ 12 يوليو/تموز الجاري، المخاطر الجيوسياسية إلى صدارة الأسواق العالمية، بعدما أعلنت واشنطن استئناف حصار الموانئ والساحل الإيراني، وتوالت الضربات الأميركية والهجمات الإيرانية على السفن والمنشآت في الخليج. وأظهرت تحركات الأسواق خلال الأيام الأولى من الجولة الجديدة أن النفط والشحن كانا أول المتأثرين، قبل أن تنتقل الضغوط إلى الأسهم والسندات والعملات والقطاعات الحساسة لتكاليف الطاقة.
ولا تمثل جميع الأرقام المتداولة عن خسائر الحرب نتيجة مباشرة للتصعيد الأخير؛ فجزء كبير منها يعكس التداعيات المتراكمة منذ اندلاع المواجهة قبل أشهر. لذلك ينبغي التمييز بين رد الفعل الفوري للأسواق منذ 12 يوليو، وبين التحديات الهيكلية السابقة التي دخلت معها الشركات والاقتصادات هذه الجولة الجديدة وهي تعاني بالفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين والنقل.
بدأ التأثير الأكثر وضوحاً في سوق النفط. ففي 13 يوليو/تموز، قفزت الأسعار بنحو 9% إلى أعلى مستوى لها خلال شهر، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة فرض الحصار على الساحل الإيراني وعلى السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، بالتزامن مع تجدد الضربات المتبادلة. وجاءت القفزة بعدما أظهرت حركة الملاحة تباطؤاً حاداً في مضيق هرمز، مع إحجام ناقلات عن دخول الممر الحيوي عقب استهداف سفن تجارية.
واصل خام برنت ارتفاعه في 14 يوليو بنحو 1.7%، ليستقر عند 84.73 دولاراً للبرميل، بينما صعد الخام الأميركي 1.5% إلى 79.34 دولاراً. وجاء ذلك بعد يوم من القفزة الكبيرة، ومع إعلان الجيش الأميركي تنفيذ ليلة ثالثة من الضربات، وهجمات إيرانية على ناقلات مرتبطة بالإمارات. وبذلك سجل النفط أكبر ارتفاع له خلال يومين منذ مارس/آذار، قبل أن تخف حدة المكاسب مع تراجع واشنطن عن مقترح فرض رسم بنسبة 20% على الشحن العابر لهرمز.
وعكست أسعار الخامات الفورية في الشرق الأوسط مخاوف من نقص الإمدادات القريبة، إذ تحولت سوق خام دبي إلى حالة تكون فيها العقود القريبة أغلى من الآجلة، وهي إشارة عادةً إلى تشدد المعروض الفوري. كما بدأت مصافٍ آسيوية البحث عن شحنات بديلة من غرب أفريقيا وأميركا اللاتينية وروسيا، خشية تأخر الإمدادات الخليجية أو تعطلها. وارتفعت بالتزامن هوامش تكرير الديزل ووقود الطائرات وزيت الوقود في آسيا.
ومع ذلك، لا يعني ارتفاع النفط أن جميع شركات الطاقة رابحة. فقد استفادت أسهم المنتجين القادرين على مواصلة التصدير من ارتفاع الأسعار، لكن المنتجين الذين يعتمدون على هرمز يواجهون احتمال تأخر الشحنات وتراكم المخزون وتعطيل الإنتاج. كما قد تدفع الأسعار المرتفعة لاحقاً إلى إضعاف الطلب العالمي، وهو ما ظهر بالفعل قبل الجولة الأخيرة عندما تراجعت أسعار الخام رغم استمرار قيود الإمدادات، بفعل المخاوف من تباطؤ الاقتصاد والاستهلاك.
وكان الشحن البحري ثاني القطاعات تأثراً. فقد دفعت الهجمات على الناقلات بعض شركات التأمين ضد مخاطر الحرب إلى نصح أصحاب السفن بتعليق الرحلات عبر هرمز، بينما راجعت شركات أخرى شروط التغطية وأسعارها. ويعني ذلك زيادة تكلفة نقل كل برميل أو حاوية، حتى في حال عدم إغلاق المضيق رسمياً، لأن مجرد ارتفاع احتمال إصابة السفن يرفع أقساط التأمين وأجور البحارة وتكاليف الانتظار.
وانتقدت شركة الشحن الألمانية "هاباغ لويد" المقترح الأميركي بفرض رسوم على البضائع العابرة لهرمز، معتبرة أنه يهدد مبدأ حرية المرور في الممرات الدولية. وأعلنت الشركة أنها أعادت توجيه عملياتها بعيداً عن المنطقة، وإن لم تسجل بعد اضطرابات تشغيلية مباشرة. وتكشف هذه الخطوة أن شركات الشحن بدأت تتعامل مع المخاطر باعتبارها قد تستمر، بدلاً من انتظار إغلاق رسمي للمضيق.
وقد يتسع الخطر إذا امتد الاضطراب إلى باب المندب والبحر الأحمر، ما يضع اثنين من أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة تحت الضغط في الوقت نفسه. عندها قد تضطر السفن إلى استخدام طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، بما يرفع استهلاك الوقود ويطيل آجال التسليم ويقلص الطاقة الاستيعابية لأساطيل الشحن. لكن هذا السيناريو ظل، حتى 15 يوليو، خطراً محتملاً وليس نتيجة اقتصادية تحققت بالكامل بفعل الجولة الجديدة.
وفي أسواق الأسهم، كان الانقسام القطاعي واضحاً. ارتفعت أسهم النفط والغاز الأوروبية 2.2% في 13 يوليو، في المقابل تراجع قطاع السفر والترفيه 1.2%، وهبطت أسهم شركات بينها "لوفتهانزا" و"رايان إير" و"توي" بما تراوح بين 1.1% و4.1%. ويعكس ذلك توقع المستثمرين استفادة شركات الطاقة من صعود الخام، مقابل تضرر شركات الطيران والسياحة من ارتفاع الوقود واحتمالات اضطراب الرحلات وتراجع الطلب.
وتعرضت بورصة وول ستريت أيضاً لضغوط في 13 يوليو، مع تراجع شهية المخاطرة وانخفاض أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات. لكن الخسائر لم تتحول إلى انهيار شامل، إذ عادت الأسهم الأميركية إلى التماسك في اليوم التالي، مدعومة ببيانات تضخم جاءت أضعف من المتوقع وأرباح قوية للبنوك. ويشير ذلك إلى أن الأسواق ما زالت تفصل بين الخطر الجيوسياسي وبين أداء الشركات والاقتصاد، بدلاً من تسعير حرب شاملة طويلة منذ اللحظة الأولى.
وفي أوروبا، افتتحت الأسهم تعاملات 14 يوليو على انخفاض مع تزايد التوتر، وتراجع مجدداً قطاع السفر والترفيه، بينما حققت شركات الطاقة مكاسب نسبية. لكن المؤشرات البريطانية والأوروبية قلصت خسائرها لاحقاً بفضل نتائج الشركات وبيانات التضخم الأميركية، ما يبرز سرعة تغير اتجاه السوق وفق الأخبار السياسية والاقتصادية.
وكان الأثر أكثر وضوحاً في الاقتصادات المستوردة للنفط. فقد تراجع مؤشر "نيفتي 50" الهندي 0.66% في 14 يوليو، وخسر مؤشر "سينسكس" 0.72%، وسط انخفاض أسهم البنوك والسيارات والشركات المالية. وهبط مؤشر السيارات 1.6%، لأن ارتفاع النفط يرفع كلفة الوقود والنقل ومدخلات الإنتاج، كما يزيد فاتورة الاستيراد ويضغط على العملة والتضخم وهوامش أرباح الشركات.
أما في أسواق السندات، فقد أدت قفزة النفط إلى ارتفاع العوائد، لأن المستثمرين خشوا أن يعيد غلاء الطاقة إشعال التضخم ويمنع البنوك المركزية من خفض الفائدة. وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بنحو خمس نقاط أساس في 13 يوليو إلى 4.62%، فيما تجاوز عائد الثلاثين عاماً 5.1%. كما ارتفع عائد السندات البريطانية لأجل عامين إلى أعلى مستوى في أكثر من شهر.
وارتفع الدولار في البداية أمام اليورو والين بوصفه ملاذاً نسبياً، وصعد إلى 162.43 يناً، قبل أن يتراجع في 14 يوليو بعد صدور بيانات تضخم أميركية أقل من التوقعات. وانخفض احتمال رفع مجلس الاحتياط الفيدرالي الفائدة في اجتماعه القريب من 42% يوم الاثنين إلى 16% يوم الثلاثاء، لكن الأسواق أبقت احتمال رفعها في وقت لاحق من العام مرتفعاً، في إشارة إلى أن أثر النفط لم يختفِ من حسابات السياسة النقدية.
ولم تظهر حتى الآن آثار مكتملة للتصعيد الجديد على التضخم الفعلي، لأن بيانات يونيو تعكس فترة سبقت الجولة الحالية. لكن استمرار النفط فوق المستويات المسجلة قبل 12 يوليو سيؤثر تدريجياً في أسعار البنزين والنقل والشحن والتبريد والمواد الخام. وقال عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي مارتن كوخر إن المصرف لا يرى حتى الآن آثاراً تضخمية من الدرجة الثانية، لكنه يراقب المخاطر ومستعد للتحرك إذا انتقلت صدمة الطاقة إلى الأجور والأسعار الأوسع.
وتقع الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة في دائرة الخطر التالية، خصوصاً البتروكيماويات والأسمدة والألمنيوم والحديد والإسمنت والزجاج والبلاستيك. ولم تصدر خلال الأيام الأولى للجولة الجديدة تقديرات شاملة لخسائر هذه الصناعات، لكن ارتفاع النفط والغاز والشحن يزيد تكاليفها مباشرة، فيما يضغط ارتفاع الديزل ووقود الطائرات على النقل البري والجوي والبحري. ويجب التعامل مع أي أرقام أقدم لخسائر هذه القطاعات باعتبارها خلفية للحرب منذ بدايتها، لا نتيجة حصرية لتصعيد منتصف يوليو.
وينطبق الأمر نفسه على شركات الطيران. فالتراجع الجديد في أسهمها يعكس أثراً مباشراً للتصعيد الحالي، لكن التقديرات السابقة بخفض أرباح القطاع العالمي أو ارتفاع فاتورة الوقود تعود إلى يونيو/حزيران وما قبله. وتكتسب تلك الأرقام أهميتها لأنها تظهر أن شركات الطيران دخلت الجولة الجديدة بهوامش ربح ضعيفة أصلاً، ما يجعلها أقل قدرة على امتصاص قفزة إضافية في الوقود أو إغلاق مجالات جوية.
وبعد الأيام الأولى، تبدو الخلاصة أن الأسواق لم تسعّر بعد إغلاقاً طويلاً لهرمز أو حرباً إقليمية شاملة. فقد قفز النفط، وارتفعت عوائد السندات، وتضررت أسهم السفر والصناعة، لكن الأسهم العالمية تماسكت جزئياً عندما صدرت بيانات اقتصادية إيجابية. ويعني ذلك أن الأثر الاقتصادي للجولة الحالية سيعتمد أساساً على مدتها: فإذا انحسر التصعيد سريعاً، قد تبقى النتائج في حدود علاوة مخاطر مؤقتة؛ أما إذا استمرت الهجمات وتعطلت الملاحة، فستنتقل الصدمة من النفط والأسواق المالية إلى التضخم والفائدة وتكاليف الغذاء والصناعة والتجارة العالمية.

