اليوم الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦م

أنقذوا ثروة غزة… آخر قلاعها

اليوم, ٩:١٧:٢٨ ص
أنور عطالله

بقلم/ أنور محمد عطالله- باحث في إدارة الأزمات والمخاطر 

حين تُهدم المدارس والجامعات، لا تُهدم المباني فحسب، بل تُهدم معها ذاكرة الأمة ومستقبلها. فالتعليم ليس خدمةً يمكن تأجيلها، بل هو خط الدفاع الأخير عن بقاء المجتمعات وقدرتها على النهوض بعد الحروب. إنه الاستثمار الوحيد الذي تتضاعف عوائده مع الزمن، ويصنع الإنسان القادر على الابتكار والإنتاج وإدارة الأزمات وصناعة السلام. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما تُبنى بالعقول التي تخطط، والكوادر التي تُدير، والخبرات التي تُحول الأزمات إلى فرص، والدمار إلى نهضة جديدة.

 

تُعد غزة من أكثر بقاع العالم كثافةً سكانية مقارنةً بمساحتها، لكنها كانت أيضاً من أغنى المناطق العربية برأس مالها البشري. فقد احتضنت آلاف الأطباء والمهندسين والأكاديميين والإعلاميين ورجال الأعمال، إلى جانب عشرات الآلاف من خريجي الجامعات في مختلف التخصصات. هؤلاء لم يكونوا مجرد حملة شهادات، بل كانوا الثروة الحقيقية لغزة، والضمانة الأساسية لأي مشروع تنموي أو اقتصادي أو حضاري في المستقبل. ولهم جميعاً مني كل الحب والتقدير والاحترام.

 

لكن منذ اندلاع الحرب، تبدل المشهد بصورة مأساوية وسريعة. فقد ارتقى عدد كبير من أصحاب الكفاءات إلى بارئهم رحمهم الله، بينما اضطر آخرون إلى مغادرة غزة بحثاً عن الأمان أو فرصة للحياة. ومع استمرار الحرب، وتدمير غالبية المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية، فإن الخطر لم يعد يقتصر على خسارة الحاضر، بل امتد ليهدد مستقبل الأجيال القادمة. فكل يوم يتوقف فيه التعليم، تتراجع جودة رأس المال البشري، وتضعف القدرات العلمية والمهنية التي يفترض أن تقود التخطيط الاستراتيجي، وإدارة الأزمة، والتكيف مع تداعياتها، وقيادة مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وبناء غزة الجديدة.

 

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على السلطة الفلسطينية في رام الله، وعلى جميع القوى الفلسطينية، وعلى الوفود المفاوضة، أن تضع حماية الإنسان الفلسطيني ورأس المال البشري في مقدمة أولوياتها. فوقف الحرب لم يعد مطلباً سياسياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية لإنقاذ ما تبقى من العقول والكفاءات. كما ينبغي إعداد خطة وطنية عاجلة لحماية التعليم، ودعم الجامعات، ورعاية الباحثين، ومنع هجرة الكفاءات، والاستفادة من الخبرات الفلسطينية في الداخل والخارج، لتكون شريكاً رئيسياً في التخطيط للتعافي وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

 

أما المجتمع الدولي، فإن مسؤوليته لا تقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، بل تمتد إلى حماية الحق في التعليم باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان. ومن الواجب تكثيف الجهود لإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة بناء المدارس والجامعات، وتمويل المنح الدراسية والبحث العلمي، ودعم المؤسسات الأكاديمية، وحماية العلماء والأكاديميين والطلبة من آثار النزاع. فإعادة إعمار الحجر دون إعادة بناء الإنسان ستبقى عملية ناقصة، أما الاستثمار في العقول فهو الضمانة الوحيدة لسلامٍ دائم، وتنميةٍ حقيقية، ومستقبلٍ أكثر استقراراً.

 

ختاما ،،،، قد تُعاد بناء الطرق والمنازل والمصانع في سنوات، لكن تعويض طبيبٍ أو مهندسٍ أو باحثٍ أو أستاذٍ جامعي يحتاج إلى عقود من الزمن. إن خسارة العقول ليست خسارة لجيل واحد، بل خسارة لمستقبل وطن بأكمله.

 

أنقذوا ثروة غزة… فالعقول هي آخر قلاعها، وإذا سقطت، سيصبح طريق النهوض أطول وأصعب وأكثر كلفة.