رام الله/ الاقتصادية
كشفت أزمة المحروقات الأخيرة في الضفة الغربية مجدداً عن هشاشة منظومة الحوكمة في إدارة قطاع البترول الفلسطيني، وأعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية طالما تم تجاهلها: كيف يُدار هذا القطاع الاستراتيجي؟ ومن يراقب أداءه؟ وهل وفرت الحكومات المتعاقبة الإطار المؤسسي والقانوني الكفيل بحماية المال العام، وضمان أمن الطاقة ومنع إساءة استخدام السلطة لتحقيق مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة؟
إن الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) يرى أن ما شهدته السوق الفلسطينية لا ينبغي النظر إليه باعتباره أزمة ناجمة عن ظروف مؤقتة فحسب، بل باعتباره نتيجة طبيعية لمسار طويل من التردد في إرساء منظومة الحوكمة، مما أدى إلى تأخر الإصلاحات المؤسسية، واستمرار إدارة أحد أهم القطاعات الاقتصادية عبر وزارة المالية بمكوناته المختلفة من إقرار السياسة والمتابعة والإشراف والتنفيذ، ضمن نموذج لم ينجح في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والفصل بين السلطات التنظيمية والتنفيذية والرقابية، وهذا جوهر ما أشارت إليه تقارير أمان في السنوات السابقة.
لقد أثبتت الأزمة أن استمرار إدارة قطاع البترول بالأدوات نفسها التي حكمته طوال العقود الماضية لم يعد مقبولاً، وأن الإصلاح لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية لحماية المال العام، ومنع الفساد بأشكاله المختلفة، وبما يشمل الفساد في القطاع الخاص، وتعزيز صمود الاقتصاد الفلسطيني.
ثلاثون عاماً من إدارة قطاع البترول دون إصلاح مؤسسي حقيقي
منذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، بقي قطاع البترول يدار لعقود طويلة دون إطار قانوني متكامل، واستمرت الهيئة العامة للبترول في ممارسة صلاحيات واسعة قبل أن يصدر أول قانون ينظم عملها عام 2023، بعد أكثر من ربع قرن من الفراغ التشريعي.
إن هذا الواقع المتردد عطّل عملية الحوكمة، حيث تركزت الصلاحيات، وغابت الحدود الفاصلة بين رسم السياسات والإشراف والرقابة والتنفيذ، مما أضعف أدوات الرقابة، وأخّر بناء منظومة حديثة لإدارة المخاطر والأزمات.
وفي هذا الجانب، فإن قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 25 أيار/ مايو 2026، بالمصادقة على تشكيل مجلس إدارة تأسيسي لـ"الشركة الوطنية للمحروقات، وهي شركة حكومية تهدف إلى تعزيز الاستثمار في القطاع، وتنظيم السوق، وتنويع مصادر الإمدادات، يشير إلى توجه حكومي لإعادة هيكلة القطاع، يستوجب بالضرورة توضيح الأدوار والعلاقات ما بين هذه الشركة والهيئة العامة للبترول من جهة وما بين الشركة والقطاع الخاص من جهة ثانية، بحيث تفصل العمليات التجارية الخاصة بشراء المحروقات وتخزينها عبر شركة حكومية منفصلة عن هيئة البترول التي سيتركز اختصاصها على تنظيم القطاع، بما لا يؤثر في دور القطاع الخاص في عمليات التوزيع والاستثمار في هذا القطاع الحيوي، وبما يعزز المنافسة ويرفع كفاءة الخدمات، مع تعزيز مبادئ الإفصاح والشفافية في عقود واتفاقيات تزويد الوقود، وضمان معايير النزاهة والشفافية في العطاءات والعقود التي قد تبرمها الدولة مع الشركات الخاصة، لا سيما الشركات الدولية.
ضعف الحوكمة يفتح الباب أمام الفساد ويعاظم مراكز النفوذ
لا ينشأ الفساد في الفراغ، وإنما ينمو في البيئات التي تغيب فيها الحوكمة الرشيدة. لأن مركزة السلطة تضعف المساءلة وتتيح المجال للفساد.
ولعل قضية الرئيس الأسبق للهيئة العامة للبترول، حربي صرصور وما تبعها من حالات فساد داخل الهيئة، مثّلت أوضح الإشارات إلى المخاطر الناتجة عن ضعف الرقابة المؤسسية في إدارة هذا القطاع، وما كان ينبغي أن تشكله من نقطة تحوّل نحو إصلاح جذري لمنظومة الحوكمة. إن التركيز على معالجة القضايا بعد وقوعها، لا يغني عن معالجة البيئة التي سمحت بظهورها أصلاً.
إن استمرار الاختلالات في إدارة قطاع البترول أدى تدريجياً إلى تنامي نفوذ بعض الفاعلين الاقتصاديين العاملين في هذا القطاع، بصورة أوجدت اختلالاً في العلاقة بين الدولة والسوق.
ولا يعترض ائتلاف أمان على دور القطاع الخاص أو الاستثمار في قطاع المحروقات، بل يؤكد أن الاقتصاد الوطني يحتاج إلى قطاع خاص قوي وتنافسي؛ غير أن المشكلة تبدأ عندما تصبح قوة بعض الفاعلين الاقتصاديين ناتجة عن ضعف التنظيم، أو غياب المنافسة العادلة، أو هشاشة المؤسسات العامة، بما يمنحهم قدرة على التأثير في القرار العام أو فرض وقائع لا تنسجم مع المصلحة العامة.
فالدولة التي لا تمتلك مؤسسات قوية، وقواعد حوكمة واضحة، وآليات رقابة فعالة، تصبح أكثر عرضة للتأثر بمصالح القوى الاقتصادية، ويصبح القرار العام رهينة لموازين القوة بدلاً من سيادة القانون.
الأزمة فرصة لاختبار الإرادة السياسية للإصلاح
يرى ائتلاف أمان أن الأزمة الحالية يجب ألا تنتهي بانتهاء طوابير المركبات أمام محطات الوقود، بل ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لإصلاح مؤسسي شامل يعالج جذور المشكلة، وليس مظاهرها فقط.
فإدارة قطاع البترول يجب أن تقوم على أسس الحوكمة الرشيدة، بما يشمل الفصل الواضح بين رسم السياسات والتنظيم والتنفيذ، وتعزيز استقلالية الرقابة، وتوسيع نطاق الإفصاح، ومنع تضارب المصالح، وضمان المنافسة العادلة، وإدارة المخاطر وفق معايير مؤسسية واضحة.
القضية الحالية... اختبار جديد لسيادة القانون
إن ما يُثار حالياً بشأن إحدى القضايا المرتبطة بأحد رجال الأعمال العاملين في قطاع المحروقات، يجب أن تشكل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بمبادئ سيادة القانون.
ويؤكد ائتلاف أمان أن مكافحة الفساد لا تتحقق عبر الحملات الإعلامية أو تداول الشائعات، كما لا تتحقق من خلال تسويات أو تفاهمات تتم خارج المنظومة القضائية.
فإذا وُجِدَت شبهات بارتكاب أفعال تشكل جرائم اققصادية أو فساد أو اعتداءً على المال العام، فإن الطريق الوحيد لمعالجتها هو تمكين النيابة العامة والقضاء من ممارسة اختصاصاتهما كاملة، بعيداً عن أي تدخلات أو ترتيبات موازية، على نحو يضمن في الوقت ذاته مساءلة كل من يثبت تجاوزه للقانون.
إن أي مسار بديل عن القضاء لا يضر بهذه القضية وحدها، بل يضعف ثقة المواطنين بمنظومة العدالة، ويقوّض أحد أهم أسس مكافحة الفساد، وهو المساواة أمام القانون.
موقف ائتلاف أمان
انطلاقاً من مسؤوليته في تعزيز النزاهة والشفافية والمساءلة، يدعو ائتلاف أمان إلى:
إطلاق مراجعة وطنية شاملة لمنظومة حوكمة قطاع البترول الفلسطيني، وعدم الاكتفاء بالحلول الظرفية.
استكمال إعادة هيكلة القطاع بما يحقق الفصل بين رسم السياسات والتنظيم والرقابة والتنفيذ.
تعزيز الشفافية في جميع مراحل إدارة القطاع، بما في ذلك الإفصاح عن العقود، وآليات التسعير، والمخزون الاستراتيجي، والبيانات المالية، بما لا يمس الاعتبارات الأمنية أو التجارية المشروعة.
مراجعة البيئة التنظيمية للقطاع بما يمنع الاحتكار، ويحدّ من تضارب المصالح، ويضمن تكافؤ الفرص والمنافسة العادلة.
تمكين مؤسسات الرقابة الرسمية من ممارسة اختصاصاتها باستقلالية وفاعلية، وتعزيز الرقابة المجتمعية على هذا القطاع الحيوي.
التأكيد على أن جميع القضايا المرتبطة بقطاع البترول، بما فيها القضية المتداولة حالياً، يجب أن تعالج حصراً من خلال القضاء والنيابة العامة، مع رفض أي تسويات أو ترتيبات خارج إطار القانون تمسّ بالمال العام أو تؤثر في سير العدالة، أو تستخدم لتصفية الحسابات مع أشخاص.
وضع استراتيجية وطنية لأمن الطاقة وإدارة المخاطر، تكفل استدامة الإمدادات، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
إن حماية قطاع البترول ليست حماية لسلعة اقتصادية فحسب، بل هي حماية للمال العام، ولثقة المواطنين بالمؤسسات، ولقدرة الدولة على إدارة أحد أكثر القطاعات حساسية واستراتيجية. والإصلاح الحقيقي يبدأ حين تصبح الحوكمة وسيادة القانون هما المرجعية الوحيدة لإدارة هذا القطاع، بعيداً عن الشخصنة، والمصالح الضيقة، والحلول المؤقتة.
فالدول تُبنى بمؤسسات قوية، لا بأشخاص أقوياء، وقطاع البترول لن يكون بمنأى عن الأزمات ما لم تُستكمل إصلاحات الحوكمة التي تأخرت لعقود.

