اليوم الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦م

لن تصدق.. من هم أكثر المتداولين في سوق الفوركس بفلسطين؟

اليوم, ١٠:٠٢:١٠ ص
أرشيفية

رام الله/ الاقتصادية

بعد انتهاء دوامه كمحاسب في إحدى شركات القطاع الخاص بمدينة رام الله، تبقى عينا "طارق" (29 عاماً - اسم مستعار) مسمرتين على شاشة هاتفه المحمول. متجاهلاً ضجيج الشارع في طريق عودته، يراقب طارق بتوتر وشغف الرسوم البيانية المتذبذبة لأسعار الذهب، ملاحقاً كل صعود وهبوط للـ "أونصة" لحظة بلحظة.

طارق، الذي يحمل شهادة البكالوريوس ولا يتجاوز دخله السنوي 15 ألف دولار، يقتطع جزءاً من مدخراته البسيطة للمضاربة على المعدن الأصفر في سوق البورصات الأجنبية غير النظامية (الفوركس). وتمثل قصة طارق انعكاساً دقيقاً للإحصاءات الرسمية التي ترسم ملامح المتداول الفلسطيني في سوق العملات.

 

من يتداول في فلسطين؟

تكشف الإحصاءات الرسمية المحدثة للأشهر الخمسة الأولى من العام 2026 التي حصل عليها "الاقتصادي" من هيئة سوق رأس المال الفلسطينية، والتي شملت 2,015 حساباً نشطاً، عن خريطة تكسر التوقعات السائدة حول طبيعة المتداولين في هذا السوق.

من السهل الافتراض أن اللاهثين وراء الربح السريع هم من الفئات الأقل تعليماً أو العاطلين عن العمل، لكن الأرقام تنسف هذه الفرضية. الشريحة الأكبر من المتداولين هم من النخبة المتعلمة؛ حيث يتصدر حملة شهادة "البكالوريوس" القائمة بـ 1,166 متداولاً. والمثير للاهتمام أن المرتبة الثانية جاءت من نصيب حملة شهادة "الثانوية العامة" بـ 501 متداول ، يليهم حملة شهادات "الدبلوم" بـ 147 متداولاً ، و"الماجستير" بـ 142 متداولاً. وبلغ عدد المتداولين ممن لا يحملون أي شهادة 35. في المقابل، تذيلت فئة حملة شهادة "الدكتوارة" القائمة بـ 24 متداولاً فقط.

أما على الصعيد المهني، فإن محرك هذا السوق هم موظفو "القطاع الخاص" الذين يستحوذون على الغالبية العظمى بواقع 1,378 حساباً ، مقارنة بـ 329 حساباً لفئة "لا يعمل" ، و244 حساباً لموظفي القطاع "الحكومي". هذا يعني أن السوق يعتمد على رواتب موظفي الشركات الخاصة الذين يبحثون عن دخل إضافي.

 

الشباب وأزمة الدخل المتوسط

 تسيطر فئة الشباب المهني بشكل شبه كامل على التداولات، حيث بلغ عدد المتداولين -وفق الأرقام الرسمية التي حصل عليها الاقتصادي- من الفئة العمرية (18-34 عاماً) 1,293 متداولاً. وعند تحليل مستويات الدخل، تتضح الأزمة؛ إذ إن الشريحة المهيمنة على السوق هي ذوي الدخل المتوسط (بين 10,000 إلى 25,000) بواقع 866 متداولاً.

لكن المؤشر الأبرز يكمن في وجود 405 متداولين يُصنف دخلهم السنوي بأنه "أقل من 2,000" ؛ ما يشير إلى فئات هشة جداً مالياً تقامر بالقليل الذي تملكه أملاً في مضاعفته، في حين أن الفئة المقتدرة (دخل أكثر من 50,000) لم تسجل سوى 168 متداولاً. وفي ظل هذه الظروف، يبرز السوق بتركيبة ذكورية ساحقة، بـ 1,849 حساباً للذكور مقابل 166 للإناث.

ماذا يشتري الفلسطينيون في سوق الفوركس؟

بينما يتيح سوق الفوركس المرخص التداول بآلاف الأسهم والعملات العالمية على مدار 24 ساعة، تظهر بيانات التداول حجم النشاط المحموم والمكثف؛ فقد تم تنفيذ 322,761 عقداً خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام.  استحوذت "سي أف أي" على الصدارة بـ 161,597 عقداً ، تليها "الشركة المتحدة للأوراق المالية" بـ 130,167 عقداً.

لكن المفارقة الحقيقية تكمن في "نوعية" العقود. ففي سوق يُصنف بأنه ذروة المخاطرة، يبحث المتداول الفلسطيني عن "الملاذ الآمن" التاريخي. فقد استحوذت عقود الذهب على 186,311 عقداً من إجمالي التداولات، أي أكثر من النصف.

 

وجاء في المرتبة الثانية "مؤشر داوجونز" بـ 24,032 عقداً، ثم "مؤشر الناسداك" لأسهم التكنولوجيا الأمريكية بـ 20,987 عقداً، تليها النفط والفضة.

هذا السلوك يعكس تركيبة نفسية معقدة لمتداول يعيش في بيئة سياسية واقتصادية مضطربة (كالحالة الفلسطينية)؛ فرغم جرأته على دخول عالم الفوركس عالي المخاطر، تغلبه غريزة البقاء والخوف فيُوجه أمواله نحو المعدن الأصفر الذي يعتقد أنه الملاذ الذي لا يخون.

ويذكر أن المخاطر لا تقتصر على تداول "الذهب" فحسب، بل تنسحب على كافة الأدوات المالية الأخرى المتداولة، مثل عقود النفط، والعملات ومؤشرات الأسواق العالمية.

 

مخاطر "الرافعة المالية" وفخ المنصات الوهمية

في سياق متصل، وفي إطار الجهود التوعوية، تُشدد هيئة سوق رأس المال الفلسطينية على جملة من المخاطر الجوهرية التي تتربص بالمتداولين وتؤدي إلى خسارة رأس المال، وعلى رأسها الاستخدام غير المتوازن للرافعة المالية. فصحيح أن الرافعة المالية تمنح المتداول قدرة على التحكم في مراكز تداول كبيرة بكمية قليلة من رأس المال؛ إلا أنها تُعد سيفاً ذا حدين، فكما قد تضخم الأرباح، يمكنها أن تؤدي إلى تضخيم الخسائر بشكل كارثي وتبخر رأس المال المستثمر في صفقات غير محسوبة.

ويضاف إلى ذلك خطر "التداول العشوائي" الذي ينتهجه المبتدئون كمغامرة بحتة، دون تبني سياسة واضحة لإدارة المخاطر، متجاهلين أوامر "وقف الخسارة" التي تعتبر ضمانة أساسية لعدم الانجرار نحو الهاوية.

وتُحذر الهيئة بشدة من الوقوع في شباك الجهات غير المرخصة أو المنصات غير القانونية التي تستغل الجهل أو الاستعجال لتحقيق أرباح سريعة، مما يوقع المواطنين في فخ الاحتيال. وتدعو الهيئة الجمهور والمستثمرين إلى ضرورة التعامل حصراً مع الشركات المرخصة والخاضعة لرقابتها.

للتحقق من قائمة الشركات المرخصة والاطلاع على كافة التشريعات والتعليمات المنظمة لهذا القطاع، يمكنكم زيارة صفحة نشاط البورصات الأجنبية غير النظامية Forex على الموقع الرسمي لهيئة سوق رأس المال

بناء على ما سبق، لم يعد الفوركس في فلسطين مجرد منصات تداول معزولة، إنما أصبح مرآة تعكس واقعاً طبقياً واقتصادياً لشباب جامعيين وموظفين في القطاع الخاص (مثل طارق)، يحاولون الهروب من فخ الدخل المحدود عبر بوابات مالية عالية المخاطر. ورغم نجاح الجهات الرقابية في توفير ملعب "قانوني" لهذه الاستثمارات، يبقى التحدي الأكبر: هل الوعي المالي لهؤلاء الشباب كافٍ ليحميهم من أن يصبحوا وقوداً لسوق لا يرحم؟

 

المصدر/ الاقتصادي