اليوم الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦م

تحذيرات إسرائيلية من تداعيات قطع العلاقة المصرفية مع البنوك الفلسطينية

اليوم, ١:٤٧:٣٧ م
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

تلوح في الأفق أزمة مالية قد تعصف بواحدة من أهم ركائز الاقتصاد الفلسطيني، مع اقتراب توقف خدمات البنوك المراسلة التي تتيح للبنوك الفلسطينية التعامل بالشيقل وتسوية مدفوعاتها مع "إسرائيل". 

ويأتي ذلك بعدما أعلن بنكا "هبوعليم" و"ديسكونت" الإسرائيليان عزمهما إنهاء هذه الخدمات اعتباراً من نهاية أغسطس/آب المقبل. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "كالكاليست" العبرية، تمر عبر البنكين معاملات مالية تُقدّر بنحو 51 مليار شيقل سنوياً، تمثل قرابة 90% من حجم التجارة الفلسطينية مع "إسرائيل". 

وكان البنك الدولي قد حذر، في تقرير أصدره في مايو/أيار الماضي، من أن أي توقف لخدمات البنوك المراسلة قد يشكل "خطراً نظامياً فورياً" على القطاع المالي الفلسطيني، ويهدد استقرار الجهاز المصرفي بأكمله.

 

حكومة الاحتلال تبحث عن حلول مؤقتة

بحسب تقرير لصحيفة "ذا ماركر" الإسرائيلية، فاجأ بنكا "هبوعليم" و"ديسكونت" وزارة المالية في حكومة الاحتلال بإبلاغها عزمهما إنهاء العلاقات المصرفية مع البنوك الفلسطينية اعتباراً من نهاية أغسطس/آب المقبل، أي قبل أربعة أشهر من موعد تجديد هذه الترتيبات رسمياً في نهاية عام 2026. 

ودفع هذا الإخطار، وفق التقرير، وزارة المالية إلى البحث عن حل عاجل يضمن استمرار هذه العلاقات، بما يحافظ على انتظام عمل الجهاز المصرفي الفلسطيني. 

وتشير التقديرات إلى أنه سيتم التوصل إلى صيغة تسمح باستمرار العلاقات بين البنكين الإسرائيليين والبنوك الفلسطينية، مقابل تعهد حكومة الاحتلال بتأجيل موعد تجديد هذه الترتيبات إلى عام 2027.

ولا يُعرف على وجه الدقة سبب قرار البنكين تقديم موعد الانسحاب، إلا أن أحد التقديرات التي أوردها التقرير يرجح أنهما يخشيان أن يحل موعد التجديد الرسمي في نهاية عام 2026 في وقت تكون فيه "إسرائيل" تحت إدارة حكومة انتقالية عقب الانتخابات، بما قد يحول دون اتخاذ قرار بتمديد هذه الترتيبات، ويعرّض البنكين لمخاطر قانونية مرتبطة بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل "الإرهاب".

وطوال العقد الماضي، تعهدت حكومات الاحتلال، بحسب "ذا ماركر"، بإيجاد حل دائم لهذه المعضلة عبر نقل مسؤولية إدارة العلاقات المصرفية المراسلة من البنوك التجارية إلى الدولة. ولهذه الغاية، أُنشئت شركة حكومية متخصصة، واستثمرت الحكومة أكثر من 70 مليون شيقل في تأسيسها، إلا أن التشريعات اللازمة لبدء عملها لم تُستكمل حتى اليوم، بسبب معارضة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي لا يرغب، وفق التقرير، في أن يُسجل في عهده أن "إسرائيل" تولت رسمياً مسؤولية تشغيل المنظومة المصرفية الفلسطينية، ما أبقى المشكلة من دون حل.

 

علاقة تخضع لابتزاز سموتريتش

وفي ظل غياب حل دائم، لجأت حكومة الاحتلال إلى حل مؤقت تمثل في إصدار المحاسب العام في وزارة المالية خطابات ضمان تحمي البنكين الإسرائيليين من الدعاوى القضائية المحتملة. إلا أن تجديد هذه الضمانات تحول، وفق التقرير، إلى أداة ضغط سياسي استخدمها سموتريتش مراراً، إذ امتنع أكثر من مرة عن تجديدها إلا في اللحظات الأخيرة، بهدف ممارسة الضغط على السلطة الفلسطينية، وانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة، التي تولي أهمية خاصة لاستقرار السلطة.

ويضيف التقرير أن "إسرائيل" ملزمة بالحفاظ على استقرار البنوك الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو، فضلاً عن مسؤولياتها بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ما يجعل استمرار عمل النظام المصرفي الفلسطيني جزءاً من التزاماتها القانونية والعملية. 

ويرى التقرير أن البنكين خشيا تكرار المشهد ذاته عند حلول موعد تجديد الضمانات في نهاية عام 2026، ولا سيما إذا بقي سموتريتش وزيراً للمالية في حكومة انتقالية وامتنع عن تمديدها، ما سيتركهما من دون غطاء حكومي. لذلك، يرجح أنهما فضّلا تقديم موعد الأزمة إلى أغسطس/آب المقبل لإجبار الحكومة على إيجاد حل قبل نهاية العام.

 

لماذا يخشى الإسرائيليون قطع العلاقة؟

يؤكد التقرير أن العلاقات المصرفية المراسلة تشكل شريان الحياة الذي يربط البنوك الفلسطينية بالنظام المالي العالمي، وتمثل الركيزة الأساسية لاستمرار النشاط المصرفي في الضفة الغربية واستقرار اقتصاد السلطة الفلسطينية بأكمله. ويحذر خبراء الاقتصاد والقطاع المالي في "إسرائيل" من أن قطع هذه العلاقات، رغم المخاوف المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل "الإرهاب"، ستكون له تداعيات أشد خطورة من استمرار الوضع القائم.

ويشير التقرير إلى أن غالبية الخبراء في "إسرائيل" يرون أن البديل سيكون أكثر خطورة بكثير، إذ قد يؤدي قطع العلاقات المصرفية عملياً إلى انهيار الجهاز المصرفي الفلسطيني، ودفع الاقتصاد الفلسطيني إلى الاعتماد بصورة أكبر على التداول النقدي، فضلاً عن تنامي استخدام العملات المشفرة في تنفيذ المعاملات المالية. ويرى هؤلاء أن مثل هذا السيناريو سيؤدي إلى تراجع مستويات الرقابة المالية بصورة كبيرة، إذ إن وجود علاقات مصرفية منظمة، رغم ما يحيط بها من مخاطر، يتيح قدراً من المتابعة والرقابة على حركة الأموال، بينما يؤدي انهيارها إلى انتقال النشاط المالي إلى قنوات غير خاضعة للإشراف.

ويضيف التقرير أن تداعيات قطع العلاقات المصرفية لن تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل قد تمتد إلى أبعاد سياسية بعيدة المدى. فبحسب التقرير، قد يُعد إنهاء هذه العلاقات خرقاً للترتيبات التي أقرتها اتفاقيات أوسلو، وقد يدفع السلطة الفلسطينية إلى البحث عن بدائل نقدية ومصرفية مستقلة، من بينها إصدار عملة فلسطينية خاصة بها. 

ويرى التقرير أن إصدار عملة فلسطينية مستقلة لن يكون مجرد إجراء مالي، بل قد يشكل خطوة سياسية أولى نحو تعزيز مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة، إذ إن وجود عملة وطنية قد يفتح الباب أمام مطالبة السلطة الفلسطينية باعتراف دولي أوسع بالدولة ومؤسساتها المالية.

ويخلص التقرير إلى مفارقة لافتة، مفادها أن السياسة التي ينتهجها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، والقائمة على ممارسة ضغوط متواصلة على السلطة الفلسطينية عبر التهديد بقطع العلاقات المصرفية، قد تفضي عملياً إلى نتيجة معاكسة لما يسعى إليه، من خلال دفع السلطة الفلسطينية إلى تسريع بناء منظومة مالية مستقلة، بما في ذلك إنشاء عملة خاصة بها، وهو ما قد يعزز، وفق التقرير، مسار الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية مستقلة.