اليوم الاثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦م

37.9% من الودائع بفائدة: أين تُستثمر أموال الفلسطينيين؟

أمس, ٨:١٧:١٢ م
تعبيرية

بقلم: أ. محمود محمد القشاش – باحث اقتصادي

ليس الرقم 8.78 مليار دولار مجرد رقم مصرفي عابر، وليس وصول الودائع بفائدة إلى نحو 37.9% من إجمالي ودائع العملاء مجرد تغير في شكل الحسابات المصرفية.

 

هذا الرقم يفتح سؤالًا اقتصاديًا أكبر بكثير:

«هل تتحول مدخرات الفلسطينيين إلى استثمار وإنتاج ونمو، أم أن جزءًا متزايدًا منها يبقى داخل الدورة المالية دون أن يصل بالقدر الكافي إلى الاقتصاد الحقيقي؟»

إذا صحت البيانات المشار إليها حتى نهاية حزيران/يونيو 2026، فهذا يعني أن قرابة أربعة من كل عشرة دولارات مودعة في المصارف الفلسطينية أصبحت مرتبطة بعائد، أي أن أصحابها لا يحتفظون بأموالهم فقط، بل ينتظرون مقابلًا ماليًا لإبقائها لدى الجهاز المصرفي.

 

وهنا تبدأ أهمية الرقم.

 

من «حفظ المال» إلى «تسعير المال»

 

الوديعة بفائدة تعني اقتصاديًا أن المال أصبح له سعر.

 

المودع يضع أمواله لدى المصرف، والمصرف يدفع له عائدًا مقابل استخدام هذه الأموال، ثم يبحث المصرف عن فرص لإعادة توظيفها بعائد أعلى يغطي تكلفة الأموال ويحقق هامشًا ربحيًا.

 

وبالتالي فإن الوديعة ليست نهاية الدورة الاقتصادية، بل يفترض أن تكون بدايتها.

 

المعادلة الطبيعية هي:

 

مدخرات → ودائع → ائتمان واستثمار → إنتاج → وظائف → دخل → نمو.

 

لكن إذا تعطلت هذه السلسلة عند مرحلة الائتمان والاستثمار، فإن تراكم الودائع لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر قوة.

 

8.78 مليار دولار... والسؤال الأصعب

 

القيمة الكبيرة للودائع بفائدة تفرض علينا الانتقال من سؤال «كم يوجد في البنوك؟» إلى سؤال «ماذا تفعل البنوك بهذه الأموال؟»

 

فإذا كانت المصارف تجمع مليارات الدولارات من مدخرات المواطنين والشركات، فإن الأثر الاقتصادي الحقيقي يقاس بمدى قدرة هذه الأموال على العودة إلى السوق في صورة:

 

- تمويل للمصانع.

- قروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

- تمويل للزراعة.

- تمويل للتجارة.

- استثمارات منتجة.

- رأس مال عامل للشركات.

- تمويل لإعادة بناء رأس المال الذي دمرته الحرب.

 

وهنا تحديدًا تكمن المسألة.

 

وجود المال في المصرف لا يعني أن الاقتصاد استفاد منه.

 

الاقتصاد يستفيد عندما يتحول المال إلى نشاط اقتصادي حقيقي.

 

تكلفة الودائع... ومن يدفعها؟

 

كل دولار موضوع في وديعة بفائدة يمثل التزامًا على المصرف.

 

فالمصرف يدفع للمودع عائدًا، وبالتالي يحتاج إلى تحقيق عائد من توظيف هذه الأموال.

 

وهذا يجعل الفارق بين تكلفة الودائع وعائد توظيفها أحد المفاتيح الأساسية لفهم ربحية القطاع المصرفي.

 

لكن في المقابل، هناك سؤال اقتصادي واجب:

 

«هل يذهب العائد الناتج عن توظيف أموال الفلسطينيين إلى تمويل الاقتصاد الفلسطيني، أم أن جزءًا معتبرًا منه يتحول إلى استثمارات وأدوات مالية خارج الدورة الإنتاجية المحلية؟»

 

الإجابة عن هذا السؤال أهم بكثير من مجرد معرفة حجم الودائع.

 

الدولار والشيكل والدينار... ليست مجرد عملات

 

تعدد العملات في النظام المالي الفلسطيني يعكس طبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه.

 

الدولار يمثل بالنسبة لكثير من المدخرين عملة ادخار وأمان نسبي، بينما يحتفظ الشيكل بأهمية كبيرة بسبب استخدامه الواسع في المعاملات اليومية، ويظل الدينار حاضرًا في المدخرات والتحويلات وبعض التعاملات طويلة الأجل.

 

لكن اختيار العملة لا يرتبط بسعر الفائدة فقط.

 

المعادلة بالنسبة للمودع هي:

 

العائد + مخاطر سعر الصرف + مستوى الثقة.

 

ولهذا فإن ارتفاع الودائع الدولارية، إذا كانت البيانات التفصيلية تؤكده، يمكن أن يكون مؤشرًا على تفضيل جزء من المدخرين الاحتفاظ بالقيمة بعملة يرون فيها قدرًا أكبر من الاستقرار.

 

مفارقة الاقتصاد الفلسطيني

 

المفارقة التي تستحق البحث هي أن الاقتصاد قد يعاني من نقص الاستثمار والائتمان المنتج في الوقت الذي تمتلك فيه المصارف قاعدة ودائع كبيرة.

 

وهنا يجب التمييز بين مفهومين:

 

السيولة المصرفية والسيولة الاقتصادية المنتجة.

 

قد تمتلك المصارف الأموال، لكن الشركات قد لا تمتلك القدرة أو الرغبة أو الضمانات اللازمة للاقتراض.

 

وقد تكون المصارف مستعدة للتمويل، لكن ارتفاع المخاطر يجعل الإقراض أكثر تحفظًا.

 

وقد تكون الأموال متاحة، لكن الحرب وتدمير الأصول وضعف الطلب وانكماش النشاط الاقتصادي تجعل فرص الاستثمار المنتج محدودة.

 

وبالتالي فإن المشكلة ليست بالضرورة نقص الأموال، وإنما قد تكون ضعف قدرة الاقتصاد الحقيقي على استيعابها.

 

450 مليون دولار إضافية... ماذا تعني؟

 

إذا كان ارتفاع الودائع بفائدة خلال عام قد بلغ نحو 450 مليون دولار، فهذا يعني أن الاتجاه يستحق المتابعة وليس مجرد قراءة رقمية عابرة.

 

زيادة الأموال المتجهة إلى الودائع قد تعكس:

 

ارتفاع الميل إلى الادخار.

 

زيادة البحث عن عائد آمن.

 

تراجع جاذبية الاستثمار المباشر.

 

ارتفاع المخاطر الاقتصادية.

 

ضعف الثقة بالبيئة الاستثمارية.

 

وهنا تظهر مفارقة أخرى:

 

كلما زادت المخاطر، قد يفضّل صاحب المال وضعه في البنك والحصول على عائد بدلًا من المخاطرة به في مصنع أو مشروع أو نشاط تجاري.

 

لكن الاقتصاد في المقابل يحتاج إلى العكس تمامًا:

 

تحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة.

 

لا يمكن الحكم على الاقتصاد من حجم الودائع

 

ارتفاع الودائع قد يبدو للوهلة الأولى خبرًا إيجابيًا، لكنه لا يكفي وحده للحكم على صحة الاقتصاد.

 

فالاقتصاد القوي ليس الاقتصاد الذي يمتلك أكبر حجم من الأموال في البنوك، وإنما الاقتصاد الذي يستطيع تدوير هذه الأموال بكفاءة داخل النشاط الإنتاجي.

 

لذلك يجب أن تُقرأ أرقام الودائع إلى جانب:

 

- إجمالي التسهيلات الائتمانية.

- نسبة التسهيلات إلى الودائع.

- توزيع القروض حسب القطاعات الاقتصادية.

- تكلفة الأموال على المصارف.

- أسعار الفائدة على القروض.

- حجم التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

- حجم التمويل الموجه للقطاعات الإنتاجية.

- حجم الاستثمارات المصرفية داخل الاقتصاد وخارجه.

 

هذه المؤشرات مجتمعة هي التي تجيب عن السؤال الحقيقي.

 

من يملك المال؟ ومن يستخدمه؟

 

هنا نصل إلى جوهر المسألة.

 

المودعون يملكون الأموال.

 

المصارف تدير هذه الأموال.

 

والاقتصاد الحقيقي يفترض أن يكون أحد أكبر المستفيدين منها.

 

لذلك فإن العلاقة الصحية يجب أن تكون:

 

«مدخرات المواطنين → الجهاز المصرفي → تمويل الاستثمار → زيادة الإنتاج → خلق فرص العمل → زيادة الدخل → توسيع قاعدة الادخار.»

 

أما إذا تحولت العلاقة إلى:

 

«مدخرات → ودائع بفائدة → عوائد مالية → إعادة تدوير محدودة للأموال»

 

فإننا أمام قطاع مصرفي قد يكون مستقرًا ماليًا، لكن أثره على التنمية الاقتصادية يظل بحاجة إلى تقييم.

 

37.9% من الودائع بفائدة ليست مجرد نسبة مصرفية؛ إنها مرآة لسلوك المدخرين ولحالة الاقتصاد الفلسطيني في آن واحد.

ورقم 8.78 مليار دولار يجب ألا يُقرأ باعتباره دليلًا تلقائيًا على قوة الاقتصاد، كما لا يجوز اعتباره دليلًا تلقائيًا على ضعفه.

 

القضية الحقيقية هي وظيفة هذه الأموال.

هل تتحول إلى مصانع؟

هل تمول الشركات؟

هل تعيد تشغيل رأس المال المدمر؟

هل تخلق وظائف؟

هل تزيد الإنتاج؟

هل تساعد على إعادة بناء الاقتصاد؟

 

أم أن جزءًا كبيرًا منها يبقى في دورة مالية تحقق عائدًا لأصحابها وللمؤسسات المالية، دون أن ينعكس بالقدر الكافي على الاقتصاد الحقيقي؟

 

من هنا، فإن أهم رقم في قصة الـ8.78 مليار دولار ليس حجم الودائع وحده، وإنما حجم الأموال التي خرجت من البنوك لتعود إلى الاقتصاد الفلسطيني في صورة استثمار وإنتاج وتشغيل.

 

وهذا هو المؤشر الذي يجب أن نراقبه.

فالاقتصاد لا يُقاس فقط بما يدخره الناس، بل بما يستطيع تحويل مدخراتهم إلى قوة إنتاجية.