بقلم/د. محمود صبرة
ربما يبدو العنوان شديدة القسوة ومجرد صياغة ساخرة لحالة من عدم الرضا السياسي والاجتماعي. لكنها تصبح أكثر إزعاجًا حين ننظر إليها لا باعتبارها شتيمة سياسية، بل باعتبارها مدخلًا لفهم تشوه بنيوي طويل المدى أصاب ثلاثة هياكل تأسيسية في التجربة الفلسطينية: هيكل الثورة، وهيكل رأس المال، وهيكل السلطة.
المشكلة ليست أن الثورة لم تكن ثورة، ولا أن رأس المال شر بطبيعته، ولا أن كل من تولى منصبًا وصل إليه بالوراثة أو المحسوبية. المشكلة أعمق: لقد نشأت، عبر عقود، قدرة متزايدة على تحويل نوع من القوة إلى نوع آخر. تتحول الشرعية النضالية إلى نفوذ سياسي، ويتحول النفوذ السياسي إلى قدرة على الوصول إلى الموارد والامتيازات، وتتحول الامتيازات إلى ثروة، ثم تعود الثروة لتشتري مزيدًا من النفوذ والقدرة على التأثير في المجال العام.
إنها دائرة مغلقة:
الثورة تنتج الشرعية، والشرعية تفتح أبواب السلطة، والسلطة توزّع الموارد والامتيازات، والامتيازات تنتج رأس المال، ثم يقوم رأس المال بإعادة إنتاج السلطة والشرعية.
وهنا يبدأ الخلل.
لقد كان من الطبيعي أن تمنح المجتمعات حركات التحرر ورموزها قدرًا كبيرًا من الشرعية التاريخية. من دفع ثمنًا من عمره أو حريته أو دمه من أجل قضية وطنية يمتلك رأسمالًا معنويًا حقيقيًا. لكن الخطر يبدأ حين يتحول هذا الرأسمال النضالي من شهادة تاريخية إلى أصل سياسي دائم، ثم من أصل شخصي إلى شيء قابل للتوريث.
هنا نقترب مما أسماه روبرت ميخلز «القانون الحديدي للأوليغارشية»: التنظيمات التي تنشأ لتحقيق أهداف جماعية تميل، مع الزمن، إلى إنتاج نخبة محترفة في إدارتها، ثم يصبح بقاء هذه النخبة واستمرار نفوذها هدفًا قائمًا بذاته. وفي الحالة الفلسطينية، يصبح الأمر أكثر حساسية عندما تتحول شرعية الثورة نفسها إلى ما يشبه رأس مال سياسيًا موروثًا؛ فتتكرر الأسماء، والعائلات، والشبكات، ويصبح التاريخ النضالي للأجيال السابقة جواز مرور للأجيال اللاحقة.
وهذا لا يحدث في السياسة وحدها.
فالاقتصاد الفلسطيني، تحت الاحتلال والقيود البنيوية ومحدودية السوق والموارد، لم يتطور دائمًا في اتجاه المنافسة الإنتاجية الطبيعية التي تجعل النجاح الاقتصادي نتيجة الابتكار والإنتاجية والاستثمار طويل الأجل. في مثل هذه البيئات ترتفع قيمة القرب من البوابة: من يمتلك الترخيص؟ من يصل إلى صاحب القرار؟ من يحصل على الأرض أو العقد أو التمويل أو المعلومات في الوقت المناسب؟ من يستطيع دخول قطاع مغلق أو شبه مغلق؟ ومن يستطيع أن يحول علاقته السياسية إلى فرصة اقتصادية؟
هنا يظهر مفهوم Rent-Seeking ، البحث عن الريع: حين يصبح جزء من الجهد الاقتصادي موجّهًا إلى الحصول على الامتياز والوصول إلى المورد القائم بدل خلق قيمة اقتصادية جديدة.
ثم ننتقل خطوة أخرى إلى Crony Capitalism ، رأسمالية المحاسيب، عندما تصبح العلاقة مع مركز النفوذ إحدى أهم المزايا التنافسية لرأس المال. ثم إلى State Capture، أسر الدولة أو اختطافها، عندما لا يكتفي رأس المال بالاستفادة من القرارات العامة، بل يصبح قادرًا بدرجات مختلفة على التأثير في القواعد التي تُنتج تلك القرارات.
وهكذا لا يعود رأس المال مجرد مستفيد من السلطة، ولا السلطة مجرد منظمة لرأس المال؛ بل تتشكل بينهما علاقة زواج مصلحة طويلة المدى.
وقد تظهر داخل هذا النظام مجموعات اقتصادية ضخمة، بنوك، صناديق استثمار، مؤسسات مالية ومجموعات متعددة الأنشطة تكتسب وزنًا لا يأتي فقط من حجم أصولها، وإنما من قدرتها على الحضور في المجال الاجتماعي والسياسي والإعلامي والمؤسسي. ليست المسألة أن كل مؤسسة كبيرة فاسدة أو أن وجود رأس المال الكبير مشكلة بذاته، بل أن تركيز رأس المال في بيئة سياسية محدودة المساءلة يسمح بتحويل الثروة الاقتصادية إلى قوة سياسية بصورة أسهل كثيرًا.
وفي الطرف الآخر تظهر أحيانًا مشاريع سياسية جديدة تقدم نفسها بوصفها بديلًا عن النخب التقليدية، لكنها قد تدخل المجال العام محمولة على شبكات تمويل ونفوذ إقليمية كبيرة. وهنا تصبح المفارقة مؤلمة: يتم تقديم «تغيير النخبة» بينما لا يتغير منطق إنتاج النخبة. يتغير الاسم، لكن تستمر الآلية: المال يفتح المجال السياسي، والنفوذ الخارجي يصنع نفوذًا داخليًا، ثم يعاد تقديم القوة الناتجة باعتبارها شرعية شعبية مستقلة.
وفي قلب هذه الدائرة توجد السلطة.
المفهوم الأنسب لفهم جزء من هذا التشوه هو Neo-Patrimonialism، الزبائنية أو الأبوية السياسية الحديثة: توجد مؤسسات وقوانين ووزارات وإدارات، ولكن إلى جوار المؤسسة الرسمية تعمل شبكات غير رسمية من العلاقات والولاءات والقرابة والانتماء التنظيمي والمصالح المتبادلة.
في الدولة الحديثة يفترض أن يكون المنصب منفصلًا عن صاحبه: يذهب الشخص وتبقى المؤسسة.
أما حين تتشوه هذه العلاقة، فيصبح المنصب امتدادًا لشبكة صاحبه، وتتحول الوظيفة العامة إلى مورد يمكن توزيعه، ويصبح الوصول إلى القرار رأسمالًا بحد ذاته.
وهذا يفسر جانبًا من ظاهرة تبدو متناقضة: كيف يستطيع بعض الأفراد الانتقال خلال فترة قصيرة من الهامش الاقتصادي والاجتماعي إلى قلب طبقة النفوذ؟
إنه ليس دائمًا حراكًا طبقيًا بالمعنى الصحي للكلمة. فالحراك الاجتماعي الطبيعي يحدث عندما يرتقي الإنسان بالتعليم والإنتاج والكفاءة وريادة الأعمال. أما الذي يحدث في بعض الأنظمة الريعية فهو حراك انتقائي عبر شبكات النفوذ. يستطيع الفرد أن يحول ولاءه التنظيمي أو موقعه الإداري أو علاقته السياسية إلى دخل وثروة ومكانة، ثم تتحول الثروة الجديدة بدورها إلى أداة لحماية موقعه.
ولهذا يمكن أن نرى أفرادًا يصعدون من الفقر إلى قلب النخبة بسرعة مذهلة، بينما تتآكل في الوقت نفسه الطبقة الوسطى الواسعة التي يفترض أن تكون عماد أي مجتمع مستقر: المدرس، والأستاذ الجامعي، والمهندس، والطبيب، والموظف المهني، وصاحب المشروع الصغير.
وتصبح النتيجة مجتمعًا أقل طبقية بالمعنى التقليدي وأكثر استقطابًا: قاعدة واسعة تتشابه تدريجيًا في هشاشتها، وفي الأعلى أقلية تمتلك مزيجًا من رأس المال المالي والسياسي والاجتماعي والتاريخي.
وهنا تفيدنا أيضًا أفكار بيير بورديو حول قابلية تحويل أشكال رأس المال بعضها إلى بعض. فهناك رأس مال اقتصادي، واجتماعي، وثقافي، ورمزي. وفي الحالة التي نتحدث عنها يمكن أن تتحول السيرة النضالية إلى رأس مال رمزي، ثم يتحول هذا الرأسمال الرمزي إلى منصب، والمنصب إلى شبكة علاقات، والشبكة إلى فرصة اقتصادية، ثم تعود الثروة لتنتج مكانة اجتماعية وسياسية جديدة.
وبذلك لا تتم وراثة الأموال وحدها.
يمكن أن تُورث الشبكات.
وتُورث الأسماء.
وتُورث الشرعية.
وتُورث القدرة على الوصول إلى المكان الذي تُتخذ فيه القرارات.
وهنا نصل السؤال الأكثر أهمية هو: من يستطيع أصلًا أن يدخل المنافسة بشروط متكافئة في الانتخابات الفلسطينية؟
فالانتخابات لا تكسر نظام إعادة إنتاج النخبة تلقائيًا. قد تمنحه، على العكس، شرعية انتخابية جديدة.
إذا دخلت الانتخابات القوى نفسها، بالأموال نفسها، والشبكات نفسها، والمنابر نفسها، والقدرة نفسها على بناء القوائم وتمويل الحملات والوصول إلى الناخبين؛ وإذا بقيت الأحزاب والحركات عاجزة عن تجديد نفسها من الداخل، فإن صندوق الاقتراع قد يؤدي إلى ما يسميه علم الاجتماع السياسي Elite Reproduction، إعادة إنتاج النخبة.
عندئذ قد تتغير الوجوه قليلًا بينما تبقى الطبقة السياسية ذاتها.
وقد يغيب الأب ليظهر الابن.
ويغادر القائد ليصعد مساعده.
ويتراجع رجل الأعمال فيتقدم التكنوقراط المتصل به.
وتضعف شبكة إقليمية لتظهر أخرى.
إنها الصورة التي وصفها باريتو وموسكا قديمًا بمفهوم دوران النخب، Circulation of Elites: ما يبدو أحيانًا تغييرًا جذريًا قد لا يكون سوى استبدال مجموعة صغيرة بمجموعة صغيرة أخرى داخل البناء نفسه.
لهذا فإن أخطر احتمال أمام الانتخابات الفلسطينية المقبلة ليس تزوير صناديق الاقتراع فقط؛ فهناك شكل أكثر هدوءًا من إفراغ الانتخابات من مضمونها: أن تكون المنافسة حقيقية، والفرز حقيقيًا، والأصوات حقيقية، لكن الخيارات المطروحة أمام المواطن قد أنتجها الهيكل المشوه نفسه مسبقًا.
عندها نختار بين منتجات مختلفة للمصنع نفسه.
ومع ذلك، ليس هذا قدرًا محتومًا. الانتخابات تستطيع أن تصبح نقطة كسر حقيقية لهذه الدائرة إذا فتحت المجال أمام أجيال وقوى اجتماعية جديدة، وفرضت شفافية في التمويل السياسي، ووسعت المنافسة داخل الأحزاب نفسها، وفصلت بين رأس المال والقرار السياسي، وأعادت الاعتبار إلى المؤسسات بدل الأشخاص، وربطت المنصب بالكفاءة والمساءلة لا بالاسم أو التاريخ أو الولاء.
وإلا فإننا سنعيد إنتاج المفارقة الفلسطينية القديمة بشكل أكثر حداثة وأناقة: الفقراء يتحملون العبء الأكبر من الوطنية، ورأس المال يحصل على الحصة الأكبر من الوطن، والنخب تتبادل المناصب فيما بينها، ثم يُطلب من المجتمع كله أن يعتبر استمرار المعادلة انتصارًا للمشروع الوطني.
المطلوب إذن ليس الثورة على الأغنياء، ولا محو تاريخ المناضلين، ولا التشكيك في كل تكنوقراط أو رجل أعمال أو مسؤول. المطلوب أصعب بكثير: منع أي شكل من أشكال رأس المال، المالي أو النضالي أو العائلي أو التنظيمي أو الإقليمي، من التحول إلى حق دائم في حكم المجتمع.
فالثورة التي لا تستطيع منع شرعيتها من أن تصبح امتيازًا قد تنتج طبقتها الخاصة.
والدولة التي لا تستطيع فصل السلطة عن الثروة قد تنتج أوليغارشيتها الخاصة.
والانتخابات التي لا تستطيع كسر احتكار الوصول قد تمنح القديم شهادة ميلاد جديدة.
المأزق الفلسطيني ليس مجرد فساد أفراد، بل خطر منظومة لإعادة إنتاج النخبة تتغذى من ثلاثة مصادر متداخلة: شرعية الثورة، وامتيازات رأس المال، وسلطة المؤسسة السياسية. كل منها يستطيع أن يحوّل قوته إلى الآخر، حتى تنشأ دائرة ينتج فيها التاريخ النفوذ، وينتج النفوذ المال، ويعيد المال إنتاج السياسة. ولهذا فإن الامتحان الحقيقي للانتخابات المقبلة لن يكون فقط في نزاهة الصندوق، بل في قدرتها على كسر هذه الدائرة: هل ستفتح المجال أمام مجتمع جديد ليصنع قيادته، أم ستعيد ترتيب المقاعد للأسماء والشبكات ذاتها؟ فإذا لم تتغير قواعد إنتاج القوة، فقد تتغير نتائج الانتخابات ويبقى النظام الاجتماعي والسياسي الذي أنتجها على حاله.

