بقلم/ د. خليل عطا الله
في قطاع غزة، لم تعد أزمة المياه مرتبطة فقط بالدمار الذي طال الآبار وشبكات المياه والبنية التحتية، بل أصبحت قدرة السكان على الحصول على مياه الشرب مرتبطة أيضاً بقدرة محطات التحلية على الاستمرار في العمل. ومع نقص الوقود وقطع الغيار والمواد التشغيلية، تواجه هذه المحطات ضغوطاً متزايدة تهدد قدرتها على الحفاظ على إنتاج منتظم للمياه.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من انعدام الأمن المائي. ووفق اليونيسف، فإن 82% من الأسر في غزة تعاني من انعدام الأمن المائي، فيما لا يتمكن ما يصل إلى 70% من السكان من الحصول على الحد الأدنى البالغ 20 لتراً من المياه للفرد يومياً لأغراض الشرب والطهي.
وفي الوقت نفسه، تتراجع قدرة منظومة التحلية على توفير المياه. فقد بلغ إنتاج محطات تحلية مياه البحر نحو 20 ألف متر مكعب يومياً في مارس/آذار 2026، قبل أن ينخفض إلى 16 ألف متر مكعب يومياً، نتيجة نقص المواد الكيميائية وقطع الغيار، إلى جانب نقص زيوت المحركات ومواد التشغيل الأساسية، وفق اليونيسف.
وتؤكد نتائج مسح ميداني أجرته جمعية أصحاب محطات تحلية المياه في قطاع غزة في يوليو/تموز 2026، وشمل 22 محطة، حجم الضغوط التي تواجهها المحطات في الحفاظ على استمرارية التشغيل. فقد تعرضت 82% من المحطات المشمولة بالمسح لأضرار نتيجة الحرب، بينما أفادت 77% منها بأن الوقود المتوفر غير كافٍ لتغطية احتياجات التشغيل.
كما تعتمد 22 محطة من أصل 22 على المولدات الكهربائية كمصدر رئيسي للطاقة بنسبة 91%، فيما أشارت 77% إلى نقص الأغشية والفلاتر، و77% إلى نقص المواد الكيميائية. وتكشف هذه الأرقام أن التحديات لا تقتصر على توفير الطاقة، بل تمتد إلى مختلف المستلزمات التي تحتاجها المحطات للحفاظ على عملية الإنتاج.
وتكشف حادثة وقعت في مارس/آذار حجم هشاشة هذه المنظومة؛ إذ أدى تضرر ستة موصالت لكابالت الجهد العالي وأجزاء مرتبطة بها في خط الكهرباء الرئيسي لمحطة تحلية مياه البحر في جنوب غزة إلى خروجها عن شبكة الكهرباء والاعتماد على مولدات الديزل الاحتياطية. ونتيجة لذلك، انخفض إنتاج المياه إلى أقل من 20% من طاقتها الكاملة، بانخفاض قدره 80%، ما عرّض عشرات الآلاف من الأطفال في دير البلح والمواصي لخطر النقص الحاد في المياه، وفق اليونيسف. وقد عادت المحطة إلى شبكة الكهرباء خلال أيام بعد تنفيذ أعمال الإصلاح.
هذه الحادثة تختصر جزءاً كبيراً من المشكلة. عندما تتعطل الكهرباء، تحتاج المحطة إلى الوقود لتشغيل المولدات. وإذا توفر الوقود، تبقى هناك حاجة إلى قطع الغيار والمستلزمات اللازمة للصيانة والتشغيل. وإذا تعذر إدخال هذه المواد، فإن إصلاح العطل أو الحفاظ على الطاقة الإنتاجية يصبح أكثر صعوبة.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من مجرد نقص في الوقود؛ إنها مشكلة في استمرارية سلسلة الإمداد التي تحتاجها محطات التحلية كي تستمر في العمل. فالمحطة تحتاج إلى الأغشية والفلاتر والمواد الكيميائية والزيوت وقطع الغيار، كما تحتاج إلى معدات الفحص والصيانة. وقد يكون تعطل مكوّن واحد كافيًا لخفض الإنتاج أو تعطيل جزء من عملية التشغيل، خصوصًا عندما لا تكون البدائل متاحة بسهولة.
ورغم هذه الظروف، تظهر نتائج المسح جانباً مهمًا وسط الأزمة؛ إذ أفادت 91% من المحطات المشمولة بأنها تجري فحوصات دورية لجودة المياه، بينما يحتفظ 91% منها بسجالت منتظمة لمراقبة الجودة، إلا أن الحفاظ على هذه الممارسات يتطلب بدوره توفير أجهزة الفحص والمستلزمات الفنية اللازمة.
إذاً، قضية المياه لا تتعلق فقط بمحطات تحتاج إلى إصلاح، وإنما بمنظومة كاملة تحتاج إلى الحفاظ على قدرتها على العمل: وقود وطاقة، قطع غيار، أغشية وفلاتر، مواد كيميائية، معدات فحص، ووسائل لنقل المياه وتوزيعه.
وفي ظل تضرر واسع للبنية التحتية للمياه، واستمرار القيود على إدخال مستلزمات التشغيل، تصبح محطات التحلية جزءا مهمًا من الاستجابة لأزمة المياه. ولذلك، فإن ضمان وصول الوقود وقطع الغيار والمواد التشغيلية إليها لا ينبغي التعامل معه باعتباره احتياجا فنيا أو تجاريا عاديا، بل باعتباره جزءا من الاستجابة الإنسانية اللازمة للحفاظ على خدمات المياه.
وفي غزة، الحفاظ على محطة تحلية عاملة يعني الحفاظ على مصدر للمياه. وتأمين الوقود وقطع الغيار والمواد التشغيلية ليس مجرد استجابة لاحتياج فني، بل خطوة أساسية لضمان استمرار وصول المياه إلى السكان وحماية صحتهم وكرامتهم الإنسانية.

