اليوم الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦م

أزمة الطحالب كشفت هشاشة قطاع المياه في إسرائيل

اليوم, ١٠:٠١:٥٣ ص
أرشيفية

وكالات/ الاقتصادية

دخل قطاع المياه في "إسرائيل" أزمةً في أحد صباحات أواخر أغسطس/ آب، لا بسبب صاروخ أصاب منشآت التحلية الاستراتيجية، ولا جرّاء هجوم سيبراني، بل بفعل موجة كثيفة من الطحالب المجهرية التي اجتاحت خمس محطات تحلية على الساحل، وأربكت عملها، وهي منشآت توفّر نحو 75% من مياه الشرب في "إسرائيل".

واصلت الطحالب تهديد المحطات، فيما أثارت الأزمة تساؤلات بشأن إدارة قطاع المياه، الذي بات يعتمد بصورة شبه كاملة على التحلية، في وقت تتعرض فيه مصادر المياه الطبيعية للتلوث والإهمال. ودعت منظمات بيئية الحكومة إلى الإسراع في إقرار خطة شاملة للقطاع، تتضمن إجراءات عاجلة للتعامل مع واقع يتزايد تعقيده وتصعب إدارة مخاطره والتنبؤ بها.

بلغ عدد سكان "إسرائيل" عام 2023 نحو 9.7 ملايين نسمة، فيما وصل إجمالي استهلاك المياه، بما يشمل المياه العذبة ومياه الصرف المعالجة والمياه قليلة الملوحة، إلى 2550 مليون متر مكعب. وتشير التوقعات إلى ارتفاع عدد السكان إلى نحو 16 مليون نسمة بحلول عام 2050، وزيادة الاستهلاك إلى 4010 ملايين متر مكعب.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية تراجع كميات الأمطار بنسبة تتراوح بين 10% و24% بعد عام 2050 بفعل التغير المناخي، بما يعني انخفاض التغذية الطبيعية المتجددة لمصادر المياه بنسبة 16%، وصولاً إلى انخفاض متوقع بنسبة 27% عام 2075 مقارنة بالمستويات الحالية.

 

خطة مؤجلة ومياه جوفية ملوّثة

لم تقرّ الحكومة الإسرائيلية، رغم هذه التحديات، الخطة الشاملة التي أعدّتها سلطة المياه وعرضتها في فبراير/ شباط من العام الماضي. وتُعدّ الخطة، التي أمرت حكومة بنيامين نتنياهو بإعدادها عام 2010، وثيقة سياسات ملزمة يفترض أن تنظّم إدارة القطاع لعقود مقبلة، بدءاً من تحديد كميات المياه المطلوب تحليتها، وحماية المصادر الطبيعية، وصولاً إلى تحسين جودة مياه الصرف المعالجة وتطوير منشآت المعالجة، والاستعداد للنمو السكاني والتغير المناخي.

وتناولت الخطة، من بين ملفات أخرى، تأهيل الخزان الجوفي الساحلي الممتد من منطقة الكرمل إلى غزة، والذي تتجدد مياهه طبيعياً عبر تسرّب الأمطار من خلال التربة الرملية. وعانى هذا الخزان سنوات من الضخ المفرط، ما أدى إلى تداخل المياه المالحة وتلوث مياهه.

وتجاوزت تركيزات النترات في أجزاء عديدة من الخزان الحدود المسموح بها في مياه الشرب، وأُغلقت بسببها 107 آبار بين عامي 1998 و2013. كما شكّلت المحروقات والمذيبات الصناعية المتسربة من المصانع والمعادن الثقيلة، وحتى بقايا المواد المتفجرة، بؤراً عميقة من التلوث في الخزان وفي آبار عديدة. ويُعدّ إصلاح بعض هذه الأضرار بالغ الصعوبة، فيما يُنظر إلى بعضها الآخر باعتباره غير قابل للإصلاح. وتُقدّر المساحة الملوثة من الخزان بنحو 80 كيلومتراً مربعاً.

وحذّر مراقب الدولة عام 2021 من تزايد مخاطر التلوث والملوحة التي تهدد المياه الجوفية، لكن إجراءات المعالجة بقيت بطيئة. فإعادة تأهيل الآبار الملوثة بالمحروقات، على سبيل المثال، تتقدم بوتيرة شديدة البطء، فيما لم تبدأ أعمال فحص التلوث والتحري عنه حتى الآن إلا في 335 موقعاً.

وشكّل الخزان الساحلي وآبار المياه الطبيعية شبكة أمان لقطاع المياه، في مقابل الاعتماد شبه الكامل على التحلية بوصفها مصدراً مركزياً عرضة للتعطّل بسبب العواصف أو تعكّر مياه البحر أو تكاثر الطحالب أو استهداف المنشآت بصاروخ باليستي. أما المياه الجوفية فتمثل مصدراً موزعاً وأقل كلفة وأكثر قدرة على الصمود، ويمكن ضخها عند توقف محطات التحلية.

لكن "إسرائيل" أهملت هذه المصادر الطبيعية. وبحسب سلطة المياه الإسرائيلية، تتطلب إعادة تأهيل الخزان الجوفي ميزانيات ضخمة، من دون أن تُطرح حتى الآن خطة اقتصادية مخصصة لذلك.

 

دعوات إلى الترشيد وفرض رسم جفاف

دعت منظمة "تسالول" البيئية الإسرائيلية سلطة المياه إلى التحرك فوراً وإطلاع الجمهور على حجم الأزمة، وإعلان حالة أزمة مياه، ومطالبة السلطات المحلية والسكان بترشيد الاستهلاك، بهدف خفضه بنسبة 10% على المدى الفوري، لتجنّب تعريض المصادر الطبيعية للخطر نتيجة الإفراط في الضخ من بحيرة طبريا والخزان الجوفي.

وطالبت المنظمة بفرض رسم جفاف، عبر إعادة الشريحة الثالثة إلى فاتورة المياه، بحيث تُفرض تعرفة مرتفعة ورادعة، تتراوح بين 25 و30 شيقلاً للمتر المكعب، على الاستهلاك المفرط الذي يتجاوز أربعة أمتار مكعبة للفرد شهرياً. ورغم معارضة المستوى السياسي الإسرائيلي وسلطة المياه لهذا الإجراء، اعتبرت المنظمة أنه "في ضوء خطورة الوضع، لا خيار سوى اللجوء إليه".

ودعت "تسالول"، بعد سنوات من التخلي عن جهود التوعية بالترشيد، إلى إطلاق حملة دائمة لخفض الاستهلاك المنزلي، تتضمن إرشادات مثل استخدام مراحيض ذات خيارَي تدفق للمياه، والري الدقيق، وتركيب قطع موفّرة للمياه على الصنابير، وتقليص مدة الاستحمام.

وطرحت المنظمة أيضاً ضرورة إقرار مواصفة ملزمة لإعادة استخدام المياه الرمادية، أي مياه الأحواض والاستحمام التي يمكن الاستفادة منها في استخدامات منزلية وخارجية، مثل تنظيف المراحيض وري الحدائق.

وانتشرت هذه الممارسة في دول عديدة، لكن "إسرائيل" تحظر استخدام المياه الرمادية في المنازل الخاصة والمباني السكنية المشتركة، في ظل غياب مواصفة ملزمة وقانون ينظّم ذلك. واستمرت محاولات تنظيم هذا الاستخدام لأكثر من عقد، لكنها تعثرت مراراً، خصوصاً بسبب معارضة وزارة الصحة، وبفعل نجاح التحلية وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، ما قلّل الشعور بالحاجة الملحّة إلى حلول إضافية، وخلق وهماً بوفرة المياه، فأضعف الدافع السياسي للتحرك.

وقدّرت "تسالول" أن يتيح تطبيق هذه الإجراءات توفير عشرات الملايين من الأمتار المكعبة سنوياً، وقد يصل الوفر إلى 200 مليون متر مكعب سنوياً بحلول عام 2050، بحسب نطاق التطبيق.

وأشارت كذلك إلى إمكان تحسين كفاءة استخدام المياه في الحيز العام، عبر إنفاذ التعديل الثامن على المخطط الهيكلي القطري رقم 1، الذي يتضمن تعليمات لإدارة مياه الجريان السطحي محلياً، وتغذية المياه الجوفية، والحفاظ على مساحات تسمح بتسرّب المياه إلى باطن الأرض ضمن مخططات البناء الجديدة. ويمكن، مثلاً، استخدام مياه الأمطار المتجمعة على الأسطح ومياه تكثيف أجهزة التكييف لري الحدائق وغسل الساحات، بإمكانات توفير تُقدّر بعشرات الملايين من الأمتار المكعبة سنوياً.

 

قصور في معالجة مياه الصرف

أتاحت إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة في الري الزراعي مورداً مهماً، ويمكن لتحسين جودتها أن يوسّع نطاق الاستفادة منها. ورغم تصدّر "إسرائيل" دول العالم في إعادة استخدام هذه المياه، فإن جودة جزء كبير منها تقلّ عن المعايير التي أقرّتها بنفسها، فضلاً عن تقادم هذه المعايير وضعف إنفاذها، وفقاً لمراقب الدولة، وغياب المعالجة المناسبة لملوثات مستجدة، مثل بقايا الأدوية والجسيمات البلاستيكية الدقيقة ومركّبات البيرفلورو ألكيل والبولي فلورو ألكيل، المعروفة اختصاراً باسم "PFAS".

وتسبّب الري بمياه معالجة لا تستوفي الجودة المطلوبة في تلوث التربة وتسرّب الملوثات إلى المياه الجوفية وإخراج آبار من الخدمة. كما تكرّر تصريف مياه معالجة ملوثة في مجاري الأودية، ما أدى إلى تلويث مصادر المياه الطبيعية.

وأقرّ الاتحاد الأوروبي عام 2024 توجيهاً جديداً لمعالجة مياه الصرف الحضرية، يفرض للمرة الأولى معالجة رباعية في المحطات الكبيرة لإزالة الملوثات الدقيقة، مثل بقايا الأدوية. لكن "إسرائيل" ما زالت بعيدة عن هذا المستوى، ولا تستوفي دائماً حتى متطلباتها القانونية الخاصة بالمعالجة الثلاثية.

 

أمن المياه يتجاوز بناء محطات التحلية

دعت "تسالول" الحكومة الإسرائيلية إلى التعامل مع الأزمة بمنظور أوسع، واستغلالها لتكييف الزراعة مع تحديات المياه التي يُتوقع أن تتفاقم بفعل التغير المناخي. ويشمل ذلك توسيع الاستثمار في البحث والتطوير، لاختيار محاصيل خضار وفواكه تتلاءم مع الظروف المناخية، وتحسين كفاءة استخدام المياه، والحفاظ على الزراعة المحلية.

وقال المدير العام للمنظمة، مور غلبواع: "تُعدّ التحلية عنصراً حيوياً في قطاع المياه الإسرائيلي، لكنها لا تستطيع أن تكون الإجابة الوحيدة عن كل نقص. فتعرض عدد من المنشآت للضرر في وقت واحد يكشف نقطة ضعف استراتيجية".

وأضاف: "بدلاً من الاستمرار بصورة شبه تلقائية في بناء المزيد والمزيد من محطات التحلية، ينبغي للدولة أن تدير قطاع المياه باعتباره مورداً استراتيجياً واحداً: إعادة الترشيد وإدارة الطلب إلى صلب السياسات، بما يشمل حملة توعية عامة دائمة وشريحة تعرفة ثالثة تقلّص الاستهلاك المفرط؛ وتأهيل الآبار وتجديدها والحفاظ على قدرتها الموزعة على استخراج المياه؛ وحماية المياه الجوفية من التلوث؛ واستكمال منظومة إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة ونقلها؛ وتحويل مياه الجريان السطحي في المدن من مصدر إزعاج إلى مورد".

وتابع غلبواع: "أثبتت إسرائيل أنها تعرف كيف تنتج المياه. وعليها الآن أن تتعلم كيف تدير أمن المياه. وهذا يعني عدم الاختيار بين التحلية والمياه الطبيعية ومياه الصرف المعالجة والجريان السطحي والترشيد، بل بناء منظومة تتكامل فيها هذه العناصر، وتوفّر بدائل وقدرة على الصمود أمام الجفاف وتلوث البحر ونضوب المصادر والأعطال والهجمات السيبرانية والتهديدات الأمنية". وختم بالقول: "لا يُقاس أمن المياه فقط بكمية المياه التي نستطيع إنتاجها في يوم عادي، بل بقدرتنا على مواصلة توفير مياه آمنة أيضاً في اليوم الذي يتعطل فيه جزء من المنظومة".