وكالات/ الاقتصادية
يشهد العالم تقاطعاً في ثلاث أزمات ضخمة تؤثر على سلع أساسية وحيوية ترفع الغلاء وتضرب ميزانية كل منزل في العالم. حيث تتصاعد أزمة النفط وإغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب مؤخراً ما يسبب انعكاسات ليس فقط على أسعار البنزين والمازوت والغاز وغيرها من المواد النفطية، وإنما أيضاً على كل السلع التي يدخل فيها البترول كمواد أولية.
وتتقاطع أزمة إغلاق المضائق مع حرب أخرى تدور في البحر الأسود وبحر آزوف ما بين أوكرانيا وروسيا، في تداعياتها على الأمن الغذائي العالمي، إذ إنّ غلق مضيق هرمز قلّص حجم واردات الأسمدة الزراعية من الخليج إلى العالم، فيما تنعكس حرب البحر الأسود مباشرة على إمدادات الحبوب الدولية. ووسط كل هذا الاضطراب ترتفع حدة الأزمة المناخية، التي تبسط الجفاف في دول زراعية أساسية حول العالم، وتهدد المحاصيل.
وتضرب هذه الأزمات مباشرة مؤشراً حساساً، وهو التضخم، المهدد بارتفاعات قياسية قد تزيد قسوة خلال فصل الشتاء، فيما تتأثر الدول الضعيفة بشكل كبير من تقلص الإمدادات الغذائية، وتمتد الآثار إلى أسواق المال، حيث يقول مستثمرو السندات إن مخاطر الإمدادات الغذائية لم تُؤخذ في الحسبان بشكل كامل في سوق يركز أكثر على تكلفة سلع مثل الطاقة.
وتفرض التطورات الميدانية حول المضائق ضغوط تضخمية حادة على أسواق الطاقة العالمية نتيجة المخاوف من تشكل "كماشة بحرية" تطبق على مضيقي هرمز وباب المندب معاً؛ إذ يعكس تسعير النفط الفوري هذا القلق بصورة واضحة. فقد هبطت تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر مضيق هرمز من حوالي 20 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب إلى توقف شبه كامل في الوقت الحالي.
ويربط باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن، ومنه تمر السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، ويعد أحد أهم نقاط اختناق تجارة النفط والغاز، إذ ينقل نحو 12% من تجارة النفط بحراً عالمياً و8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، بحسب تقارير إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبيانات متعلقة بحركة النفط السعودي وقناة السويس.
ووفق تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، يُعد البحر الأسود، الذي يربط بين أوروبا وآسيا، ممراً حيوياً لشحنات المحاصيل العالمية إلى بعض أكثر دول العالم اكتظاظاً بالسكان. وتستحوذ روسيا وأوكرانيا على أكثر من ربع تجارة القمح العالمية، وهي نسبة مماثلة لتجارة النفط المنقولة بحراً عبر مضيق هرمز في الخليج العربي.
استهداف الموانىء والشحنات
وانقطعت الإمدادات منذ يوليو/تموز عندما قصفت محطات الحبوب والصوامع والسفن. كما أثر التصعيد على البنية التحتية للطاقة في روسيا، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الديزل إلى مستويات قياسية. وباعتباره عنصراً أساسياً في الزراعة، فإن تكلفة الوقود تشكل خطراً تضخمياً آخر على أسعار الشحنات الدولية من موسكو.
ارتفعت أسعار القمح إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، مع قلة المؤشرات على تكرار الاتفاق الذي توسطت فيه تركيا عام 2022 لإنشاء ممر شحن للحبوب الأوكرانية المحظورة. وقد فرض جيران أوكرانيا الغربيون حظراً على استيراد حبوبها بعد ردود فعل سياسية محلية غاضبة إزاء دعمهم للبلاد التي مزقتها الحرب. وقالت كايتلين ويلش، خبيرة الأمن الغذائي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن خلال حديث مع "بلومبيرغ": "يمكننا اعتبار البحر الأسود بنفس أهمية مضيق هرمز لتجارة النفط العالمية بالنسبة لتجارة القمح العالمية"، وأضافت "العالم يقلل من شأن تأثير هذه الهجمات".
تشير التقديرات إلى أن إجمالي صادرات القمح الروسية والأوكرانية مجتمعة سيصل إلى حوالي نصف ما كان عليه في العام الماضي خلال فترة الحصاد من يوليو إلى سبتمبر، وذلك استنادًا إلى أرقام من الباحث سوف إيكون. وتُشكّل روسيا وأوكرانيا أيضاً ثلثي تجارة زيت دوار الشمس العالمية وعُشر شحنات الذرة. وتنتشر محاصيلهما في نهاية المطاف في أماكن عديدة، بدءاً من مخابز مصر وأكشاك أسواق الهند، وصولاً إلى مطاحن الدقيق التركية وقطاعات الثروة الحيوانية وتربية الأحياء المائية في فيتنام.
ولتعويض قلة الشحنات الروسية والأوكرانية، تلجأ بعض الدول إلى الولايات المتحدة، رغم أن ذلك مكلف للغاية، ويرفع أسعار الحبوب إلى مستويات كبيرة، فيما تسعى دول أخرى إلى استيراد الحبوب من فرنسا، التي شحنت أول شحنة قمح متجهة إلى السودان منذ 18 عاماً. كما اضطرت ليبيا لاستخدام ميناء روان لأول مرة منذ أكثر من عقد، وفقاً لبيانات وكلاء الشحن المحليين.
ووفق "بلومبيرغ"، اتجهت تركيا والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى إلى دول البلطيق، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا. وتتطلع بنغلاديش إلى مزارعين مثل رومانيا والأرجنتين، بينما تؤمن كميات صغيرة من القمح من الهند، التي ألغت مؤخرًا حظرًا دام سنوات على الصادرات. كما يتجه المشترون إلى وجهات أقل شيوعًا في هذا الوقت من العام، مثل أستراليا التي لم تحصد محصولها لهذا العام بعد. وأدت موجات الجفاف إلى انخفاض إنتاج القمح والذرة في الولايات المتحدة، كما تضررت محاصيل أوروبا جراء موجات الحر هذا العام. ومن المتوقع أن تتفاقم الأزمة هذا الشهر، مع تزايد مشتريات الدول التي تستنزف احتياطياتها، في حين لم تبدأ مواسم الحصاد في نصف الكرة الجنوبي بعد.
يتزامن هذا الوقت من العام مع ذروة موسم تصدير المحاصيل الصيفية، وتسعى الحكومتان الروسية والأوكرانية جاهدتين لتأمين منافذ تصدير لمحاصيلهما. ويُعدّ الالتفاف حول البحر الأسود أمراً صعباً نظراً لمحدودية الإمكانيات المتاحة في أماكن أخرى، أو عدم تطورها، أو ارتفاع تكلفتها. وأكدت كايا كالاس، مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي لـ "بلومبيرغ"، أنه "على الرغم من دعم الاتحاد الأوروبي لصادرات الحبوب الأوكرانية عبر طرق عبور بديلة، إلا أنه لا بديل عن الكميات التي يمكن نقلها بحراً". وحذرت من "صدمة أخرى في الأمن الغذائي العالمي".
في الوقت الراهن، يُعدّ التضخم الغذائي منخفضاً نسبياً، مع توقعات بارتفاعه بحلول نهاية العام. وكانت الإمدادات مُعرّضة للخطر أصلاً بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة والوقود نتيجةً للحرب الإيرانية. ويُفاقم تأثير ظاهرة "إل نينيو" من حدة هذا التحدي. حيث يواجه العالم عدة صدمات في آن واحد.

