أوى الزعماء الأوروبيون، عدا رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، مساء الثلثاء 23 حزيران الى الفراش وهم على ثقة تامة أن الـ"لا" لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي مقدسة وأن لا مجال للتفكير في هذه الفرضية، "البريطانيون لن يتجرأوا على الانفصال عن الاتحاد". هكذا كان لسان حال العواصم الاوروبية حتى الساعة الرابعة فجر الجمعة، عندما وقع الخبر الأسوأ على الاتحاد منذ ولادته: بريطانيا، الدولة العظمى الثالثة في الاتحاد الى جانب المانيا وفرنسا والتي تشكل مع باريس وبرلين القاعدة الثلاثية الصلبة لمجموعة الـ28، باتت خارج الاتحاد بعد 43 سنة من انضمامها اليه، وأول الخاسرين المباشرين ديفيد كاميرون الذي قرر الاستقالة "افساحا في المجال لقيادة جديدة للبلاد تتماشى ورغبة البريطانيين".
والقرار البريطاني الخروج من الاتحاد الاوروبي بنسبة 52 في المئة في مقابل 48 في المئة للبقاء فيه، شكل صدمة في كل العواصم الاوروبية، وعلى المستوى الدولي. وبدأت الانعكاسات وترددات الهزة العنيفة تسمع أولاً في مقار البورصات الاوروبية، اذ خسرت بورصة باريس 7 في المئة بعد ساعة واحدة من افتتاح العمل والمصرف الفرنسي العريق "سوسيتيه جنرال" خسرت اسهمه 17 في المئة من قيمتها، وخسر الجنيه الاسترليني 10 في المئة من قيمته. وسجل سعر صرف الدولار الاميركي ارتفاعا سريعاً ، وهو العملة التي تلجأ إليها العملات الاخرى في حال الهزات المالية الكبرى. وشهدت الأسهم الاوروبية عموماً واحداً من أكبر الانخفاضات في التاريخ، اذ فقدت الشركات الكبرى مليارات الدولارات من قيمتها وتكبدت أسهم المصارف الكبرى في بريطانيا خسائر بـ 130 مليار دولار من قيمتها.
تخبط سياسي
وبدا الضياع الذي تعيشه كل المراكز المالية في أوروبا انعكاساً منطقياً لضياع وتخبط لم تشهد عواصم اوروبا لهما مثيلاً منذ ولادة فكرة الاتحاد عقب الحرب العالمية الثانية، وكأن زعماء اوروبا لم يضعوا في حساباتهم الفرضية الاسوأ ولم يعدوا خططاً بديلة في حال وقع المحظور. ففي باريس عقد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند اجتماع أزمة مصغراً دام طوال فترة قبل الظهر، وأجرى خلاله عدداً كبيراً من الاتصالات مع زعماء أوروبا وتحديداً مع المستشارة الالمانية انغيلا ميركل، وسيتوجه الاثنين الى برلين لعقد لقاء مباشر معها عشية القمة الاوروبية المقررة الثلثاء.
وينتظر زعماء أوروبا في القمة التي ستعقد في 28 حزيران الجاري والتي تجمع للمرة الأولى 27 دولة بدل 28، كاميرون الذي يحضر للمرة الاخيرة الى المقر الاوروبي زعيماً لبريطانيا، إيضاحات منه لما آلت اليه الامور، خصوصا أن الزعيم البريطاني كان هو من بادر الى إجراء هذا الاستفتاء، ظناً منه أنه سيخرج أكثر قوة وصلابة لمواجهة خصومه في الداخل المعارضين لسياسات الاتحاد. ويلقي الاوروبيون مسؤولية نتائج الاستفتاء كاميرون نفسه، لأنه لم يتمكن من "اقناع الشعب بفكرة البقاء ضمن الاتحاد".
وفي بروكسيل، التي حذرت مراراً خلال الساعات التي سبقت الاستفتاء من تداعيات سلبية على بريطانيا وعلى الاتحاد في حال الخروج، استعجلت لندن اتمام اجراءات الخروج، واعدة ، كما هولاند، بمعاملة بريطانيا من الآن فصاعدا كأي دولة اخرى في العالم.

