اليوم السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦م

"الحاجّة صباح".. بائعةُ خردة ربّتها الحياة في دهاليز السوق

١٣‏/٠٨‏/٢٠١٦, ١٠:١٢:٠٠ ص
الاقتصادية

ما إن تطأ قدماك مدخل سوق فراس الشعبي، وسط مدينة غزة القديمة، حتى يتبادر إلى مسمعك اسم "أم العبد" يتردد بين الحين والآخر على ألسنة الباعة والمتسوقين، فالأول يُسأل عن عنوانها والثاني يجيب السائل, والثالث يقول: "لن تجد طلبك إلا عند أم العبد"، أما السائل الرابع فقد يكون أنت لتعرف قصتها عن قرب.

وبين مئات القطع الخشبية والآلاف من أدوات الخردة المرتبطة بالاستخدامات الحياتية المتعددة، تقضي الحاجة صباح أبو عاصي (64 عامًا) ساعات يومها ما بين مفاصلة التجار عند شراء البضائع وبيعها للزبائن في النهار، وبين نومها ليلًا داخل ورشتها الصغيرة التي تحكي جدرانها الأربعة تاريخها العتيق بنفسها.

وتحفظ الحاجة "أم العبد" مقتنيات ورشتها وآلية استخدام كل آلة عن ظهر قلب، فهي التي تعرفت على دهاليز السوق وعلمت إيقاعاته منذ أن كانت تستيقظ فجر كل يوم باردًا كان أو حارًا؛ لتخرج مع والدها إلى السوق حيث كان يعمل، مؤجلة بذلك شرب الحليب الصباحي إلى أن حين عودتها إلى المنزل مع رجوع الشمس إلى خدرها.

الحاجة الستينية بدأت عملها في السوق بعدما تركت تعليمها في المرحلة الإعدادية من أجل مساعدة أبيها في توفير المتطلبات المادية لأحد عشر فردًا من عائلتها (ثماني بنات وثلاثة أطفال) من خلال بيع المرطبات الباردة في الأجواء الحارة والحلويات المنزلية خلال فصل الشتاء.

وتروي أم العبد حكاية عشقها للسوق والعمل منذ نعومة أظافرها، قائلة لصحيفة "فلسطين": "كنت أتردد إلى السوق مع أبي وأنا بنت الخمس سنوات، أساعده في ترتيب البضائع، إلى أن تركت المدرسة وافتتحت بسطة صغيرة أبيع عليها حاجيات وحلويات الأطفال بين أزقة السوق وأمام ناظري والدي".

تقدمت أم العبد في قطار العمر وتضاعفت معاناتها كذلك، فبعدما تزوجت في سن لـ17 عامًا من أحد أقاربها، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى السوق مرة أخرى لمساعدة زوجها في كسب الرزق وتوفير حياة كريمة لأربع طفلات رزقت بهن في السنوات الأولى من زواجها.

وتضيف الحاجة الستينية: "اشتدت قسوة الحياة وارتفعت التكاليف الحياتية اليومية وتوقف زوجي عن العمل لفترة طويلة، فقررت حينها العمل بمهن مختلفة كبيع الجرائد وأغلفة الهوايات الشخصية وأعمال أخرى متعددة"، واصفة ظروف حياتها بـ"القاسية التي تبكي الحجر قبل البشر".

وفي ظل كرب الحياة التي أحاطت بأم العبد بعدما رحل محفزها الأساس والدها، كانت عيناها الزرقاوان تتطلعان إلى افتتاح مشروع تجاري خاص يقيها ذل السؤال ويؤمن متطلبات أفراد عائلتها الذين وصل عددهم لثماني بنات وثلاثة شبان.

أم العبد، قررت أن تعيد إحياء مهنة والدها وأن تستغل خبرتها في حياة الأسواق الشعبية، فافتتحت بمطلع التسعينيات متجرا خاصا لبيع الخردة يوفر جميع احتياجات أرباب المهن المتعددة، موفرة بذلك فرص عمل لأولادها الثلاثة ومثلهم من العمال الآخرين وكذلك يساعدها في مهنتها بعض أحفادها الصغار.

وتتحدث الحاجة الستينية عن حياة السوق بالقول: "الماضي هو الأجمل ولن يعود، فالرزق كان أكبر والأوضاع المعيشية كانت أفضل، والإقبال يتضاعف يوما بعد الآخر، ولكن اليوم كل شيء تغير بسبب الحصار الذي أوجد الفقر والبطالة وضيق على الناس حياتهم".

وبعد أن يهدأ ضجيج المدينة المحاصرة ويأتي الليل بسكونه على أزقة السوق الضارب في أعماق التاريخ، تدخل الحاجة أم العبد إلى ورشتها التي تفزعك ظلمتها وتغلق الباب الحديدي على نفسها، لتقضي بضع ساعات على فرشة صغيرة لم يتغير مكانها على مدار عقدين كاملين، حيث ينام جسدها وتبقى ذاكرتها تائهة في تفاصيل الوجع.

وكالات / صحيفة فلسطين