يبدو شارداً ومذهولاً، حيرة عميقة ملئ عينيه، يفكر في سخرية القدر وكيف يمكن للحياة أن تنقلب رأساً على عقب في ليلة وضحاها، يتساءل ويلح على نفسه بالسؤال كيف ينتهي به الأمر إلى هذه الخيمة، إلى هذا المأوى الذي يشبه كل شيء إلا تلك البيوت الفاخرة التي قضى حياته في تزيينها بالقرميد الأحمر.
عرف ناصر الكيلاني (51 عاماً) المولود في مخيم المغازي ومنذ نعومة أظفاره أن الحياة هنا ليست سهلة، فبدأ منذ سنوات شبابه الأولى أو قبل ذلك بقليل يعمل داخل إسرائيل حيث كان مسموحا للفلسطينيين من قطاع غزة بالعمل داخلها آنذاك
وهناك احترف مهنة تركيب أسقف القرميد وهي مهنة نادرة ومجزية -تكسبه ذهباً-حسب تعبير الناس هنا، وبعد سنين من العمل تمكن من بناء منزل كبير لعائلته الصغيرة واستطاع أن يوفر لأطفاله حياة أفضل من تلك التي عاشها في طفولته بالمخيم لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا.
مع حلول عام 2000 واندلاع الانتفاضة الفلسطينية بدأت إسرائيل تدريجياً تمنع فلسطينيي قطاع غزة من دخول إسرائيل للعمل حتى توقف اصدار التصاريح نهائياً ووجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم بلا عمل.
كان ناصر من المحظوظين الذين استطاعوا استثمار سنوات عملهم داخل اسرائيل لإنجاز شيء ما، ببنائه المنزل الكبير لعائلته واحترافه مهنة يمتهنها قلة ما جعله يستمر في العمل داخل قطاع غزة ويعلم أبناؤه هذه المهنة.
قبل سنتين من اندلاع أحداث الانقسام الفلسطيني عام 2007 وسيطرة حركة حماس بالقوة على قطاع غزة، كانت العائلة على موعد مع حادثة مؤسفة غيرت مجرى حياتهم، تورط هاشم الابن الأكبر لناصر في مشاجرة عائلية وقتل شاباً من عائلة أخرى وألقي القبض عليه، وبحكم العرف رحلت العائلة عن منزلها في المغازي إلى رفح جنوب قطاع حيث وجدت المأوى عند الحاج سليمان والد زوجة ناصر، والذي سمح لهم ببناء منزل على قطعة أرض يملكها شرق مدينة رفح، لم يكن المنزل الجديد يشبه المنزل القديم في شيء، كان بدائياً وصغيراً جداً على العائلة التي غدت كبيرة.
في عام 2007 وخلال الفوضى التي نتجت عن اقتتال حركتي فتح وحماس فُتحت السجون وخرج جميع من فيها، أصبح هاشم 19 عاماً) لسوء حظه طليقاً وقُتل على يد عائلة المقتول ثأراً.
فقد ناصر ابنه ومنزله وبعدما فرضت اسرائيل الحصارعلى قطاع غزة فقد عمله أيضاً، لم تعد الأحوال كما كانت وبسبب تردي الأوضاع الاقتصادية قل الطلب كثيراً على أسقف القرميد التي تعتبر من الكماليات.
استجمع ناصر قواه وبدأ مع أبنائه العمل في مهن مختلفة تتعلق بالبناء حتى يوفروا لقمة العيش، كانت الفرص تقل يوماً بعد يوم وكان حظوظهم في إيجاد عمل تتضاءل مع اشتداد الحصار وبعد حربي عام 2008 وعام 2012 اللتان شنتهما إسرائيل على قطاع غزة، ازدادت الأوضاع سوءاً وباتت الأيام التي يجلسون فيها بالمنزل بلا عمل أكثر من تلك التي يعملون فيها، اشتدت المنافسة فالعمل نادر والعمال بالآلاف كما اشتدت ظروف العمل وقلت الأجور.
مع دخول عام 2014 كانت عائلة ناصر في صراع محتدم مع الحياة لكنه لم يبلغ ذروته بعد، اندلعت حرب إسرائيلية جديدة على قطاع غزة في 8 يوليو وبعد مضي أقل من شهر على اندلاعها عرف الجميع أنها ستكون الأعنف.
غادر ناصر وعائلته منزلهم إلى مخيم خانيونس بعد بدء اجتياح إسرائيل البري لقطاع غزة، لم يخطر بباله أنه سيفقد هذا المنزل الذي لطالما اعتبره مؤقتاً، كان جل تفكيره منصب كيف يعيد بناء منزل كبير كالذي فقده في المغازي،
لكن في ليلة 1 أغسطس اتهمت إسرائيل مجموعات فلسطينية مسلحة بأسر جندي إسرائيلي من دبابته المتوغلة شرق رفح، كان الجيش الإسرائيلي أقر إجراء هانيبال الذي يتيح للجيش استخدام القوة المفرطة لإنقاذ جنوده من الأسر، حتى لو أدى ذلك إلى تعريض حياتهم للخطر. لم يعلن الجيش عن استخدامه لهذا الإجراء لكن تلك الليلة كانت من أكثر ليالي حرب 2014 رعباً، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية قتل 70 فلسطينياً وجرح 300 آخرون على الأقل في منطقة رفح وحدها، واضطرت الوزارة إلى اخلاء مستشفى أبو يوسف النجار
بعد تعرضها للقصف المدفعي أكثر من مرة نُقل الجرحى والقتلى إلى مستشفيان صغيران في مدينة رفح لم تكن مؤهلة لاستقبال العدد فوضع القتلى في ثلاجات الخضار.
كان منزل ناصر أحد المنازل التي طالها القصف تلك الليلة بحيث بقيت منه غرفة واحدة فقط ، وبعدها بدأ فصل جديد من المعاناة في حياته وحياة أسرته، كان الحاج سليمان والد زوجة ناصر قد توفي قبل اندلاع الحرب وقُسمت تركته بين أبنائه الذكور فقط (وهي ظاهرة تحاربها مؤسسات حقوقية) لم يعد ناصر يملك منزلاً أو قطعة أرض ليعيد بناء منزله عليها.
صنف باحثوا وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الدمار الذي لحق بالمنزل بعد معاينته بدمار جزئي وقرروا أن التعويض المستحق للمنزل هو 4800 دولار، تلقي ناصر 2400 دولار منها وحاول اصلاح المنزل لكن المبلغ لم يكفي، ولم يتلقى باقي المبلغ حتى اليوم لعدم وجود قسيمة تثبت ملكيته للأرض.
يعيش ناصر الآن مع عائلته التي تبلغ مع أحفاده 17 فرداً على أرض حكومية غرب مخيم خانيونس يمكن أن تطالب بها الحكومة في أي وقت، في خيمة من الصفيح ومواد بسيطة أخرى معظمها بدون سقف وحمام ومطبخ بدائيين في معاناة مستمرة وحلم بمنزل حقيقي كبير يضمهم من جديد.

