بعد مرور أكثر من عشرة سنوات مضت على أزمة الكهرباء في غزة ولازالت مستمرة ومتفاقمة،بثت قناة الجزيرة الفضائية تحقيقاً صحفياً صادماً , يثبت بما لا يدع مجالاً للشك , تورط السلطة الوطنية و ورجال اعمال مقربين منها بملفات فساد متعلقة بتأسيس وتمويل شركة كهرباء غزة ،وما زاد الطين بَلَّة ورفع من شدّة الازمة فرض حكومة رام الله ضريبة " البلو" التى أرهقت الدول المانحة الممولة وجعلتها تتأخر عن دفع أموالها.
حيث كشف تحقيق الجزيرة، أن السلطة في الضفة المحتلة تفرض ضرائب تصل إلى 156 % على الوقود المخصص لمحطة كهرباء غزة، ما يعود عليها بملايين الدولارات، فيما يؤدي ارتفاع التكلفة لتشغيل المحطة بشكل جزئي.
كما أظهر التحقيق وثائق تتبع الاتحاد الأوروبي تفيد توقف عن التمويل المباشر لوقود المحطة بعدما اكتشف أن السلطة تفرض ضرائب باهظة لا مثيل لها في العالم عليه، رغم أنه عبارة عن مساعدات طارئة، ما رفع تكلفة الوقود الشهري من 4.7 ملايين دولار إلى 12 مليون دولار.
كما عرضت الجزيرة وثائق حصلت عليها، تظهر أن رجل الأعمال محمد رشيد (مستشار الرئيس الراحل ياسر عرفات) من أهم المساهمين في شركة الكهرباء، وبلغت حصته 33% من حصص الأسهم.
وأشارت إلى أن بنود الاتفاق بين السلطة وشركة الكهرباء كانت سرية، ولا أحد يعلم البنود حتى عام 2004، مؤكدة أن الشركة سجلت صافي ربح أكثر من 13 مليون دولار في العام، وأنها تحقق أرباحا حتى لو تعمل بحسب العقد الاحتكاري مع السلطة، منوهة إلى أن سعر بيع الكهرباء للمواطنين في غزة أعلى ب3 أضعاف من الكهرباء الموزعة داخل الكيان الإسرائيلي.
وأشارت إلى أن قطاع غزة دخل مرحلة جديدة عام 2006 جراء الحصار الإسرائيلي ومعها توقفت كل المساعدات والمنح للسلطة، وعمدت إسرائيل إلى إدخال 2 مليون لتر من الوقود اللازم ، في حين أن القطاع يحتاج ل6 مليون لتر، فدخل القطاع في أزمة كهرباء شديدة.
و أطلق نشطاء علي مواقع التواص الاجتماعي هاشتاج" #لصوص_الكهرباو حظي الهاشتاج باهتمام مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي كونه يستخدم لوصف معاناة أهل غزة في ظل انقطاع الكهرباء
الضرائب السيف المسلط
وتقف الضرائب السبب الرئيسي في أزمة الكهرباء القائمة منذ أكثر من عشر سنوات، رغم حالة الركود الاقتصادي الكبير الذي يعيشه القطاع بسبب الحصار،وتفرض حكومة الحمد الله ضريبة محروقات تسمى "البلو"، وهي نوع من الضرائب التي تفرض على كافة أنواع الوقود المباعة في السوق المحلية، في الضفة المحتلة وقطاع غزة، تقترب نسبتها من 128% من سعر ليتر الوقود الأساسي.
واشتدت أزمة الكهرباء في قطاع غزة قبا اسبوعين، قبل أن تقدّم دولة قطر منحة مالية قدرها 12 مليون دولار لشراء الوقود لمدة ثلاثة أشهر، وتركيا التي قامت بإرسال 15 ألف طنّ وقود للمحطة.
فتحي الشيخ خليل، نائب رئيس سلطة الطاقة في القطاع، أكد أن تفاقم أزمة الكهرباء في غزة يعود إلى ارتفاع قيمة الضرائب التي تدفعها شركة الكهرباء شهريا، إضافة إلى تعطل جزئي في الخطوط القادمة من مصر و(إسرائيل).
وقال الشيخ خليل إن حوالي 52% من الأموال التي تُرسل لشراء الوقود لتشغيل محطة الكهرباء وتجمع من جباية فاتورة الكهرباء، تذهب ضرائب مقابل شرائه"،موضحا أن سلطة الطاقة "اشترت وقودا العام الماضي بقيمة 260 مليون شيكل، منها 135 مليون ضرائب".
وأضاف: "زيادة أسعار الوقود العالمية وزيادة الضريبة تبعا لذلك، زاد في تكلفة تشغيل مولدين بقيمة 8 ملايين شيكل (2 مليون و100 ألف دولار أمريكي)، أو 13 مليون شيكل (3 ملايين و400 ألف دولار) لتشغيل ثلاثة مولدات".
وخلال سنوات الحصار العشرة، حققت شركة غزة لتوليد الكهرباء "محطة التوليد"، أرباحا تراكمية بقيمة (74 مليون 295 ألف دولار)، في حين تكبدت شركة توزيع الكهرباء خسائر بأكثر من مليار ونص شيكل.
وتجدر الإشارة إلى أن كل لتر محروقات يصل غزة تفرض خزينة رام الله ضريبة عليه بواقع 3.23 شيكل ليصل مجموع ما تحصله محطة التوليد 30 مليون شيكل كضريبة، فضلا عن الخصومات على موظفي رام الله بواقع 170 شيكل شهريا.
وجددت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية بغزة تأكيدها أن التحصيلات المالية التي تجبيها من المنتفعين قادرة على تشغيل كامل المحطة إذا تم إلغاء جميع الضرائب عن الوقود.
وأوضحت أن أكثر من نصف أموال الجباية التي يتم توجيهها لشراء الوقود تذهب إلى حكومة رام الله كضرائب، فلا تتمكن سلطة الطاقة من تشغيل 4 مولدات.
أسباب أزمة الكهرباء:
من جانبه أكد المختص في الشأن الاقتصاديومدير مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية عمر شعبان، أن مشروع محطة التوليد فاشل،و أنه ليس من المنطق و لا من المصلحة استخدام المنحتين القطرية و التركية في شراء الوقود من إسرائيل لتوليد كهرباء تتكلف ثلاثة أضعاف شرائها جاهزة من إسرائيل.
وقال إنمحطة توليد الكهرباء بغزة تحصل على 2 مليون دولار شهريا، مقابل حرق الوقود بغض النظر عن الطاقة المولدة، و عن كمية الوقود المحروقة وأشار الى أنمدة العقد20 عاما ينتهي في عام 2020،مشيرا الى أن العقد وقع مع المحطة عام 2000 بطريقة خفية وغير شرعية دون المرور على المجلس التشريعي، و هو عقد سيء لا مثيل له في العالم .
حيث استردت الشركة المالكة للمحطة ثمنها عدة مرات،و تحقق ارباح سنوية بمعدل عشرة ملايين دولار،كما أنايقاف العقد مع محطة التوليد سيوفر 2 مليون دولار شهريا و سيخفض فاتورة الكهرباء ب 30% .
خارطة طريق
وأشار الى أن مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية قدمت خارطة طريق لحل ازمة الكهرباء حيث تم تناول الأزمة في العديد من المقالات والندوات لمناقشة أسباب المشكلة و إقتراح حلول عملية
ومن من مقترحات الحل إعادة تشكيل مجلس إدارة شركة التوزيع بعيدا عن الاستقطاب السياسي، و فسخ العقد سيء السمعة مع محطة التوليد و تحويل المبلغ الثابت الذي يدفع لها منذ العام 2000 بغض النظر عن الكهرباء المولدة و هو 2 مليون دولار شهريا لشراء الكهرباء من إسرائيل أخذا في الاعتبار أن تكلفة الكيلووات المشترى من المحطة بغزة تزيد بثلاث أضعاف تكلفة شرائه من إسرائيل " شيكل و نصف مقابل 45 أغورة"
إضافة الى تركيب عدادات مسبقة الدفع للعائلات المستورة بقيمة محددة سلفا قد تكون 70 شيكل شهريا، و إلزام جميع المؤسسات العامة بدفع تكلفة الكهرباء المستهلكة، وإلزامالابراج و العمارات السكنية بترك مساحة على السقف لتركيب سخانات شمسية كما كان الحال في الماضي .
والعمل على سن قوانين و تقديم إعفاءات ضريبية و جمركية لتشجيع سبل إنتاج الطاقة من مصادر بديلة، واعتماد طرق إنتاج الطاقة من الشمس والهواء في المشرعات الدولية خاصة مشاريع الاسكان و غيرها من الحلول ذات الطبيعة الأنية و طويلة المدى.
كما أشار الى أن مواجهة الفجوة بين الطلب على الكهرباء والمعروض منها بحاجة لتفكير علمي، وعمل مشترك بعيدا عن الاستقطاب والتوظيف السياسي، مؤكدا أن المشكلة ستتفاقم مع تزايد النمو السكاني و الصناعي و التجاري، لذا لابد من إيجاد الحلول لها سواء بقي الانقسام أم تحققت المصالحة. حل أزمة الكهرباء ضروري لمواجهة مشاكل نفسية واجتماعية و ثقافية ناتجة عن عدم حلها.

