اليوم الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦م

ما هي أزمة الرقاقات الإلكترونية العالمية؟

٠٩‏/١١‏/٢٠٢١, ١٠:٣٧:٠٠ ص
الاقتصادية

الاقتصادية _ وكالات

إذا قمت بطلب أو شراء أجهزة إلكترونية مؤخراً، لعلك لاحظت ارتفاع الأسعار لكثير من المنتجات الإلكترونية، أو عدم توفر البعض الآخر في الأسواق المحلية وحتى العالمية. أنت لست وحدك في هذا، للأسف هذه مشكلة واسعة النطاق في العالم حصلت نتيجة نقص في تزويد الرقاقات الإلكترونية وتعطل خطوط الإنتاج في العديد من الشركات العالمية.

 

يواجه مصنعو الأجهزة الإلكترونية حول العالم مشكلة في تأمين إمدادات رقاقات الكمبيوتر حالياً، لا يوجد ما يكفي منها لتلبية الطلب الصناعي المتزايد، وبالتالي هذا النقص يؤخر إنتاج وتسليم السلع ويهدد برفع الأسعار بشكل ملحوظ.

 

ما هي الرقاقات الإلكترونية وفيما تستخدم

الرقاقات الإلكترونية، أو كما تعرف أيضا بالشرائح الإلكترونية، وهي رقاقة تتكون من عدة طبقات من المواد شبه الموصلة بالإضافة إلى بعض النحاس والمواد الأخرى، حيث تشكل معاً دارات دقيقة. تحتوي كل رقاقة على المئات من الترانزستورات الصغيرة. يختلف حجم الرقاقات وأشكالها حسب الهدف من استخدامها، ولكن بناء كل منها يتطلب العديد من المواد الخام و الخطوات المعقدة والوقت. تعد هذه الرقاقات جوهر الصناعات الإلكترونية الحديثة، ويمكن اعتبار هذه الرقاقات الدماغ المحرك لجميع الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها بشكل يومي. إن هذه الرقاقات هي التي تسمح للأجهزة الإلكترونية بالتقاط البيانات وتخزينها ومعالجتها. للرقاقات الإلكترونية استخدامات واسعة جداً في العديد من المجالات، والاعتماد عليها يتزايد بشكل يومي نتيجةً للتقدم التكنولوجي المتسارع. من أهم استخداماتها صناعة أجهزة الحاسوب المختلفة والهواتف الذكية، بالإضافة إلى السيارات، الأجهزة الطبية، الصناعات العسكرية، أجهزة الراديو، والتلفاز.

 

 

أسباب النقص في إمدادات الرقاقات الإلكترونية

في السنوات الأخيرة شهد مجال الصناعات الإلكترونية نمواً ملحوظاً بسبب زيادة الطلب العالمي على الأجهزة والقطع الإلكترونية، وظهور تكنولوجيا الجيل الخامس في الاتصالات 5G؛ مما شكل ضغطاً على المصانع والشركات لتوفير القطع اللآزمة لتصنيع هذه الأجهزة، وأهمها الرقاقات الإلكترونية. حدث تأخير أولي مؤقت في توريد أشباه الموصلات عندما أغلقت المصانع في المراحل الأولى من جائحة كوفيد - 19 . ولكن مع عودة الإنتاج مؤخراً إلى طبيعته، فإن الزيادة الكبيرة في الطلب نتيجة لتغيير العادات الاستهلاكية أدت إلى نقص خطير في الرقاقات.

 

كان لظهور النقص الشديد في الرقاقات الإلكترونية خلال العاميين الماضيين عدة عوامل، أهمها جائحة كورونا التي أصابت العالم وأثرت على جميع مناحي الحياة. و من أبرز نتائج هذه الجائحة هو تغيير السلوك الاستهلاكي للأفراد والمؤسسات، حيث تحول التعليم في معظم دول العالم إلى التعليم الإلكتروني عن بعد بالإضافة لتبني الشركات نظام العمل من المنزل و كان هذا كله من أجل تقليل التعرض للفيروس، وبالتالي لم يتم تصنيع الكثير من الرقاقات. كل هذه التغييرات في سلوك الأفراد أدت إلى ازدياد الطلب على الحواسيب والأجهزة وحدات التحكم في الألعاب، وبالتالي زاد الضغط على مصانع إنتاج الرقاقات الإلكترونية. شهد عام 2020 ازدياداً بنسبة 6.5% في مبيعات الرقاقات الإلكترونية، واستمر هذا الازدياد في 2021 حتى وصل إلى 26% في منتصف العام. لذلك ليس من العجيب أن مصنعي هذه القطع يواجهون صعوبات كثيرة في مجاراة الطلب المتزايد على هذه القطع.

 

بالإضافة للتأثير الكبير الناتج عن جائحة كورونا، إلا أن هنالك عدة عوامل أخرى ساهمت في نقص تزويد الرقاقات الإلكترونية. فهنالك أيضاً عدة عوامل بيئية تلعب دوراً في هذا النقص، كما تبين مؤخراً عندما أغلق مصنع في تايوان بسبب موجة الجفاف التي ضربت الدولة التي تعتبر من أكبر المنتجين لهذه القطع. حيث تعرضت شركة TSMC التايوانية لمشكلة الجفاف التي كانت سببا قوياً أدى إلى انقطاعها عن إصدار الرقاقات، لأن صناعة الرقاقات تحتاج لكمية كبيرة من المياه. و الآن، تواجه شركة  TSMCالتايوانية أسوأ موجة جفاف على الإطلاق مما نتج عن ذلك من انخفاض في كمية المياه في خزانات الشركة، و حالياً تقوم الشركة على جلب الماء إلى المصنع من خلال شاحنات، و الذي ينتج عنه تأخر إنتاج الرقاقات. وعلاوةً على ذلك، فإن النقص العالمي المتوقع في المياه قد يتسبب في المزيد من نقص الرقاقات في المستقبل. بالإضافة لذلك، حصلت عدة حوادث ساهمت في تأخير إمداد شركات الأجهزة الإلكترونية بهذه الرقاقات، منها تعطل الحركة في قناة السويس نتيجة جنوح سفينة (إيفر جرين) في مارس الماضي وحرائق في أكبر المصانع المنتجة لهذه القطع.

 

في عام 2020 ، فرضت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قيوداً وغرامات على الشركة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات (SMIC) ، وهي تعد أكبر شركة لتصنيع الرقاقات في الصين، وذلك نتيجة الآثار المستمرة لحرب ترامب التجارية ضد الصين و التي ترتب عليها بأن يصبح من الصعب على أي شخص لديه صلة بالولايات المتحدة شراء أشباه الموصلات الصينية ، بغض النظر عما إذا كان يمكن تصنيعها أم لا. وهذا أدى إلى صعوبة بيع منتجاتها للشركات التي لها علاقات أمريكية .  أجبرت هذه القيود الشركات على التوجه لبدائل أخرى مثل: استخدام مصانع أخرى ومنها TSMC و Samsung.  وهذا أدى إلى تشكيل ضغط أكبر على هذه الشركات وعدم قدرتها على تلبية احتياجات السوق الأمريكي والعالمي.

 

سوء التخطيط لدى الشركات المصنعة كان له دور كبير في تفاقم هذه الآزمة. حدث ذلك في الربع الثاني من عام 2020، حينما أوقفت غالبية الشركات الكبرى المصنعة خطوطها الإنتاجية خلال جائحة كورونا، وقامت بإلغاء جميع طلبيات تزويدها بالقطع الإلكترونية. نتيجة لذلك، وجد المزودون أسواق استهلاكية جديدة للرقاقات الإلكترونية والتي استمرت في العمل خلال الجائحة. وفي النهاية، عندما قررت الشركات إعادة تشغيل خطوطها الإنتاجية، وجدت منافسة عالية في الحصول على القطع الإلكترونية و واجهت صعوبة كبيرة في توفير الكميات اللآزمة منها لإكمال التصنيع.

تأثيرات النقص في الرقاقات الإلكترونية على القطاعات المختلفة

يؤثر هذا النقص في أعمال العديد من القطاعات لأن الرقاقات الإلكترونية هي أساس كل جهاز إلكتروني حيث يتم استهلاك الملايين منها كل يوم. فقد أدت هذه الآزمة إلى تعطيل كبير في عملية الإنتاج و حدوث تأخيرات لأسابيع وأشهر من أجل وصول الطلبات إلى الزبائن. بالإضافة إلى أن بعض الشركات اضطرت لإيقاف خطوط إنتاجها مؤقتاً لحين وصول القطع اللآزمة لإكمال عملها. وبحسب بعض المصادر تشير تقارير شركة غارتنر للأبحاث أن  قيمة الخسائر المتوقعة التي أصابت قطاع السيارات تقدر بحوالي واحد وستين مليار دولار أمريكي. قامت العديد شركات السيارات العالمية إلى الإعلان عن تدابير عاجلة خلال هذه الآزمة، من بينها تقليص الإنتاج أو وقفه. فمثلاً  أعلنت شركة تويوتا عن تخفيض قدرتها الإنتاجية بنسبة 40 بالمئة في هذا العام.

 

من الواضح أن الجائحة قد أظهرت أن سلسلة التوريد العالمية من رقاقات الكمبيوتر هشة للغاية وغير قادرة على الإستجابة السريعة لتقلبات الطلب. وتقوم شركات تصنيع الرقاقات، التي تواجه طلباً كبيراً على منتجاتها، برفع أسعارها الأمر الذي يزيد بدوره من تكلفة الأجهزة الإلكترونية بالنسبة للمستهلكين.

 

و أدى هذا النقص الذي واجه معظم مصنعي أجهزة تكنولوجيا المعلومات، مشكلة في تأمينهم لإمدادات رقاقات الكمبيوتر شبه الموصلة حول العالم، ما أدى إلى تأخير إنتاج وتسليم البضائع ويهدد برفع الأسعار المدفوعة. من المحتمل أن يؤثر هذا النقص في جميع أنواع المعالجات والمكونات الأخرى على توافر و سعر أجهزة تكنولوجيا المعلومات لمدة 12 إلى 18 شهرًا القادمة، بناءً على ما قاله رؤساء الشركات الكبرى، مثل: Intel IBM و Extreme وCisco و Juniper. و لذلك إذا كنت تخطط لشراء أي أجهزة كمبيوتر جديدة أو أجهزة أخرى لتكنولوجيا المعلومات بحلول نهاية هذا العام أو في بداية عام 2022 ، فيجب عليك الطلب الآن.

 

و كما ذكر مدير المشتريات Kelsey Kingsbury  في Platte River Networks " أننا نشهد تأخيرات في الوقت الحالي لأسابيع وحتى شهوراً على أجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المكتبية والخوادم ومحطات الإرساء والمفاتيح ومعالجات i7 وشاشات LCD ونقاط الوصول اللاسلكية ". و نتيجة لذلك، يجب على العملاء التفكير في الطلب بأسرع وقت ممكن.

 

ماذا تفعل الشركات لحل هذه المشكلة

 قامت العديد من الشركات بغلق بعض المصانع وتقليص الإنتاج، وهنالك شركات قلصت فترات العمل، وأخرى منحت إجازات للعاملين. مؤخراً، بدأت العديد من الشركات في تحديد استراتيجيات عمل جديد بهدف مواكبة الطلب المتزايد على الرقاقات الإلكترونية. ومن أجل ذلك فإن المزيد من الصناعات تقوم بالتحول الرقمي، والعديد من شركات التصنيع وبعض الحكومات تقوم بزيادة قدرتها الإنتاجية لمواءمة هذا الطلب. قامت شركة TSMC مؤخراً باستثمار مئة مليون دولار أمريكي لزيادة قدرتها الإنتاجية خلال السنوات الثلاث القادمة، بينما قامت شركتي Samsung و SK Hynix باستثمار أربعمئة و واحد وخمسين مليار دولار لزيادة قدرة مصانع القطع الإلكترونية.

 

وقد بدأت الشركات الأمريكية الآن بالعمل على زيادة إنتاجها من هذه القطع بهدف تحقيق الإستقلالية الإنتاجية وتقليل الإعتماد على تايوان وكوريا الجنوبية في تزويدهم بهذه القطع. كما أن الإتحاد الأوروبي أعلن عن موافقته على دعم هذه الصناعات من أجل زيادة معدل إنتاج الرقاقات الإلكترونية.

 

 إلى متى يمكن أن يستمر هذا النقص في الرقاقات الإلكترونية ؟

 

 تطرح مسألة العرض العالمية الجارية في رقاقات الحواسيب تحديات كبيرة ومن المتوقع أن يستمر هذا النقص خلال السنتين القادمتين. إن هذه العاصفة الكاملة من مشاكل العرض والطلب تتسبب في متاعب جمة في مختلف القطاعات، ومن المتوقع أن تتفاقم الأزمة سوءاً. فضلاً عن ذلك، فإن تشغيل المصانع المنتجة للرقاقات بكامل طاقتها قد يستغرق ما قد يصل إلى عامين. كان من المتوقع أن تنتهي هذه الأزمة في نهاية عام ٢٠٢١، لكن حسب آراء الخبراء فإن المؤشرات تؤكد أن هذه الأزمة سوف تصبح أسوأ خلال الأشهر القادمة وأنها يمكن أن تستمر إلى عام ٢٠٢٣.

 

 

 

 

 

 

ماذا يمكن للمستهلكين القيام به لحين انتهاء الآزمة؟

مع استمرار هذه الأزمة، فإن العديد من الخبراء ينصحون المستهلكين بعدم التسرع في شراء الأجهزة الإكترونية الجديدة، خاصة إذا لم يكن الحصول عليها ضرورة ملحة. فبدل شراء أجهزة جديدة، يمكن الاستفادة من الأجهزة المستعملة المعاد تجديدها، حيث أنها تكون بجودة الجديدة. كما ينصح أصحاب الشركات والمصالح الذين يريدون الحصول على أجهزة جديدة بأن يقوموا بطلبها بأقرب فرصة، تفادياً لأي تعطيل في أعمالهم.

 

 

 

 

 

إلى أين سنصل في هذه الأزمة العالمية؟

وفي النهاية، فإن هذه الرقاقات تتطلب استثمارات قد تصل إلى مليارات الدولارات الأمريكية، كما أن عملية بناء وتجهيز مصانع وخطوط الإنتاج لتصنيع الرقاقات يستغرق سنوات عدة، بالإضافة لحاجته لخبراء مختصين وطواقم عمل مدربة جيداً. وقد واجهت الشركات المصنعة للرقاقات زيادة مفاجئة في الطلب لتجهيز المنتجات الإلكترونية. وقد حدث ذلك وسط ظروف عديدة كان أهمها ارتفاع الطلب على أجهزة الكمبيوتر ومشغلات الألعاب الإلكترونية في ظل أزمة كورونا وما واكبها من عمل عن بُعد وحجرٍ منزليّ. بالإضافة للكوارث البيئية،  وسياسات الدول الغربية في فرض العقوبات.

 

من تأخر تسليم السيارات إلى نقص السلع المتوفرة من الأجهزة المنزلية إلى الهواتف الذكية، تواجه الشركات والمستهلكين في جميع أنحاء العالم وطأة نقص غير مسبوق في رقاقات أشباه الموصلات. ومع كل شركة تستخدم الرقاقات في محاولة رفع أسهمها عن طريق تقليل عدد القطع التي توفرها، أدى هذا النقص إلى تقليص السعة الإنتاجية ورفع التكاليف حتى لأرخص المكونات الإلكترونية ، مما أدى إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية و بحسب ما صدر عن موقع "بيزنس إنسايدر"، إن سبب تزايد الطلب على الأجهزة الإلكترونية و توجه الناس لاستهلاك عدد كبير من الرقاقات أدى إلى ارتفاع أسعارها.  وبالرغم من أن هذه الأزمة سوف تصل إلى النهاية، إلا أن مشاكل مشابهة يتوقع أن تحدث في المستقبل القريب، لأن التقدم التكنولوجي المستمر سوف يرهق القدرة الإنتاجية العالمية للقطع الإلكترونية ويؤدي إلى أزمات قد تكون اسوأ.