تُظهر بيانات حديثة أن المؤسسات الاستثمارية في إسرائيل تواصل تقليص انكشافها على العملات الأجنبية، ليصل إلى مستويات أدنى من تلك المسجلة عشية الحرب، بل وأقل من مستواه في نهاية عام 2022، قبل إعلان التعديلات القضائية وما رافقها من اضطرابات في سوق الصرف.
ووفقا خبر نشر على صحيفة غلوبس العبرية، يأتي هذا التراجع في وقت يشهد فيه الشيكل ارتفاعًا حادًا أمام الدولار، مقتربًا من مستويات لم تُسجّل منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث يُتداول حاليًا عند نحو 3.09 شيكل للدولار، في ظل تراجع العملة الأمريكية عالميًا. هذا المشهد يدفع المستثمرين المؤسسيين إلى مواصلة تقليص انكشافهم على سوق الصرف الأجنبي، ما يعزز قوة الشيكل ويعيد طرح التساؤلات حول احتمال تدخل بنك إسرائيل.
تفاوت في مستويات الانكشاف بين المؤسسات
وبحسب بيانات بنك إسرائيل، انخفض متوسط انكشاف المؤسسات على العملات الأجنبية بين شهري سبتمبر ونوفمبر من العام الماضي من 23.1% إلى 22.1%. كما أظهرت دراسة أجراها كبير الاقتصاديين في بيت ميتاف للاستثمار، أليكس زبرزيزينسكي، أن الانكشاف في المسارات العامة لدى أكبر عشرة مستثمرين مؤسسيين واصل التراجع خلال ديسمبر، ليهبط إلى أقل من 19%، وهو مستوى أدنى من نهاية عام 2022.
وتشير بيانات “غاميل نت” إلى أن شركتي مينورا (21.4%) وفينيكس (21.1%) هما الأكثر تعرضًا لتقلبات أسعار الصرف، في حين تسجل ألتشولر (17.2%) وهاريل (17.6%) أدنى مستويات الانكشاف.
وأوضح زبرزيزينسكي أن دراسته ركزت على المسارات العامة فقط، باعتبار أن المستثمر المؤسسي يمتلك فيها حرية تحديد مستوى الانكشاف على العملات الأجنبية، بخلاف المسارات المرتبطة بمؤشرات عالمية مثل S&P 500، حيث يكون الانكشاف كاملًا ولا مجال لإدارة المخاطر.
من التوسع إلى الانكماش
ووفق زبرزيزينسكي، بلغ متوسط الانكشاف في ديسمبر 2022 أقل من 20%، قبل أن يتغير الاتجاه لاحقًا مع ضعف الشيكل خلال فترة التشريعات القضائية وبداية الحرب، ليصل الانكشاف إلى ذروته عند نحو 26%. غير أن نقطة التحول جاءت في سبتمبر 2024، مع تراجع هامش المخاطر المرتبط بإسرائيل، حيث بدأ المستثمرون بتقليص تعرضهم بالتوازي مع ارتفاع قيمة الشيكل.
تحول في تدفقات الاستثمار: من الخارج إلى الداخل
وتكشف بيانات شهر يناير عن تحوّل لافت في محافظ الاستثمار، حيث ضخ المستثمرون الأفراد نحو 2.6 مليار شيكل في الأسهم الإسرائيلية عبر صناديق الاستثمار المشتركة، ما يعادل نحو ربع إجمالي الاستثمارات الفردية في الأسهم خلال العام الماضي. وجاء جزء من هذه التدفقات نتيجة سحب أكثر من 300 مليون شيكل من صناديق تتبع مؤشري S&P 500 وناسداك.
ولم يقتصر هذا التوجه على الأفراد، إذ سحب المستثمرون المؤسسيون بدورهم نحو 1.45 مليار شيكل من الاستثمارات الخارجية، في إشارة إلى تزايد التحيز للسوق المحلية.
التحوط أو العودة للسوق المحلية
ويشير زبرزيزينسكي إلى أن تقليص الانكشاف يتم عادة عبر أدوات التحوط، مثل العقود الآجلة لبيع الدولار، إلا أن المسار الذي سلكته المؤسسات مؤخرًا كان مختلفًا، حيث شمل بيع أصول في الخارج وزيادة الاستثمار داخل إسرائيل، وهو ما وصفه بأنه “مؤشر قوي على تفوق أداء السوق الإسرائيلية”.
ويرجّح زبرزيزينسكي استمرار هذا الاتجاه، لافتًا إلى أن الانكشاف على العملات الأجنبية كان في فترات سابقة عند مستويات قريبة من 16%، ما يفتح المجال لمزيد من التراجع، رغم تعدد العوامل المؤثرة.
توقعات باستمرار قوة الشيكل
من جانبه، يرى كبير الاقتصاديين في بنك مزراحي تفاحوت، رونين مناحيم، أن تقليص الانكشاف يعكس توقعات باستمرار قوة الشيكل، إذ إن ارتفاعه يزيد الخسائر الناتجة عن التعرض للعملات الأجنبية. وأضاف أن المستثمرين يتساءلون عما إذا كان هناك ما قد يوقف صعود الشيكل، مرجحًا أن الاحتمال ضعيف في المرحلة الحالية.
وأشار مناحيم إلى أن ضعف الشيكل قد يحدث فقط في حال تدهور أمني واسع، وهو ما لا تظهر مؤشرات عليه حاليًا، لافتًا إلى أن وكالة “موديز” أعلنت مؤخرًا تحسين نظرتها للتصنيف الائتماني رغم التوترات الإقليمية.
الدولار، وول ستريت، وبنك إسرائيل
ويربط مناحيم قوة الشيكل أيضًا بأداء الأسواق الأمريكية، إذ تدفع ارتفاعات وول ستريت المستثمرين المحليين إلى تحويل جزء من أصولهم من الدولار إلى الشيكل. كما أشار إلى تحسن مؤشرات الاقتصاد المحلي، بما في ذلك النمو والعجز وعمليات التخارج في قطاع التكنولوجيا.
أما بشأن تدخل بنك إسرائيل، فيرى مناحيم أن البنك لن يتحرك ما لم يرَ خللًا حقيقيًا في السوق، معتبرًا أن السياسة النقدية الحالية لم تتغير، خصوصًا في ظل موقف الإدارة الأمريكية الداعم لدولار أضعف.
وكان بنك هبوعليم قد أشار في مراجعته الأسبوعية إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يؤيد التدخل الحكومي لإضعاف الدولار، معتبرًا أن على العملة أن “تجد مستواها” وفق آليات السوق، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث تحركات قد تعاكس قوة الشيكل في المرحلة المقبلة.

