اليوم الخميس ١٢ فبراير ٢٠٢٦م

اسرائيل وإدارة الانقسام الفلسطيني بالاقتصاد

اليوم, ١١:٤٣:٢١ ص
الانقسام الفلسطيني
الاقتصادية

بقلم_حسن لافي:
في إحدى أكثر الشهادات الإسرائيلية صراحة، أقرّ بنيامين نتنياهو في التقرير الذي قدّمه إلى مراقب عام الدولة بأن سياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تكن تهدف إلى توحيد الساحة الفلسطينية أو الدفع نحو تسوية سياسية شاملة، بل إلى إدارة الانقسام الفلسطيني والحفاظ عليه بوصفه رصيداً استراتيجياً. هذا الاعتراف لم يأتِ في سياق نظري، بل عكس ممارسة عملية ممتدة، شكّل الاقتصاد أداتها الأكثر فاعلية وأقلها كلفة سياسياً.
فمنذ عام 2007، لم تكتفِ إسرائيل بالفصل الأمني والجغرافي بين غزة والضفة الغربية، بل عملت بصورة منهجية على تفكيك أي قاعدة اقتصادية مشتركة يمكن أن تُنتج وحدة سياسية فلسطينية مستقبلية. تم ذلك عبر التحكم بالمعابر، وإعادة هندسة تدفقات المال، وتنظيم فرص العمل، ومنح التسهيلات أو سحبها، بحيث أصبح لكل من غزة والضفة مسار اقتصادي مختلف، ومصادر تمويل منفصلة، ومنطق إدارة مستقل.
في هذا السياق، لا يمكن فهم الحصار، أو اقتصاد الأنفاق، أو المنحة القطرية، أو أموال المقاصة، أو تصاريح العمال، بوصفها سياسات متفرقة أو استجابات ظرفية، بل كحلقات مترابطة ضمن استراتيجية واحدة: فصل غزة عن الضفة اقتصادياً لتثبيت الانقسام سياسياً. وينطلق هذا المقال من هذه الرؤية ليحلّل كيف تحوّل الاقتصاد، بين 2007 و2023، من مجال يفترض أن يدعم الصمود والتنمية، إلى أداة سياسية مركزية لإدارة الصراع وإعادة إنتاج الانقسام.

أولاً: المرحلة الأولى (2007–2014) – الحصار المُدار
بعد أحداث 2007، فرضت إسرائيل حصاراً اقتصادياً صارماً على قطاع غزة، لكنه لم يكن حصاراً يهدف إلى إسقاط حكم حماس أو دفع القطاع إلى الانهيار الشامل، بل كان حصاراً مُداراً يقوم على معادلة دقيقة:
السماح بدخول السلع الأساسية، مقابل منع المواد الخام والقدرات الإنتاجية، والتحكم الكامل بالمعابر والكهرباء والتجارة.
اقتصادياً، انعكس ذلك في تراجع حاد لقدرة غزة على الإنتاج، حيث انخفضت حصة القطاع من الناتج المحلي الفلسطيني من نحو 31% عام 2006 إلى أقل من 20% في السنوات اللاحقة، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي بأكثر من 27%.
هذا التدهور لم يكن فوضوياً، بل مضبوط الإيقاع: اقتصاد يكفي للبقاء، ولا يكفي للاستقلال أو التنمية.
سياسياً، خدم هذا النموذج إسرائيل عبر إبقاء حماس سلطة ضعيفة لكنها قائمة، منع عودة السلطة الفلسطينية بقوة، وتجنب تحمّل مسؤولية إنسانية مباشرة عن القطاع.

ثانياً: اقتصاد الأنفاق – رفح كمدينة موازية
في ظل إغلاق المعابر، نشأ اقتصاد الأنفاق بوصفه بديلاً اضطرارياً. وبين 2010 و2012 تحوّلت رفح إلى مدينة اقتصادية تحت الأرض، مع مئات الأنفاق لنقل الغذاء والوقود ومواد البناء والسلع الاستهلاكية.
التعامل الإسرائيلي مع هذه الظاهرة لم يكن عسكرياً فقط، بل سياسياً-اقتصادياً:
2007–2013: قبول ضمني بالأنفاق كصمام أمان إنساني يخفف الضغط دون إعادة دمج غزة بالضفة.
بعد 2013: ومع إغلاق الأنفاق من الجانب المصري، لم تسمح إسرائيل بتحويل رفح إلى معبر تجاري سيادي، بل أعادت ضبط التدفق التجاري عبر معابرها، بكميات خاضعة للرقابة ومرهونة بالاعتبارات الأمنية.
بهذا، جرى تفكيك اقتصاد تهريبي فوضوي واستبداله باقتصاد منظم شكلياً، لكنه مرتهن سياسياً وأمنياً، ما رسّخ الانفصال الاقتصادي كجزء من إدارة الانقسام.

ثالثاً: الاقتصاد كأداة ضبط اجتماعي وسياسي
بحلول منتصف العقد الثاني، سجّل قطاع غزة مؤشرات اجتماعية حادة:
بطالة تجاوزت 43%
فقر شمل أكثر من 53–56% من السكان
فقر مدقع بلغ نحو 34%
ورغم ذلك، لم يشهد القطاع انهياراً سياسياً داخلياً شاملاً. هنا تحوّل الفقر ذاته إلى أداة ضبط غير مباشرة؛ فمجتمع مُنهك اقتصادياً، يعتمد على المساعدات، ويفتقر إلى أفق تنموي، يصبح أقل قدرة على إنتاج بدائل سياسية، وأضعف في فرض وحدة وطنية، وأقل استعداداً لممارسة ضغط منظم على أي سلطة قائمة.
بهذا المعنى، لم يكن الفقر وسيلة لإسقاط حماس، بل أداة لتجميد المشهد السياسي ومنع إعادة إنتاج نظام فلسطيني موحّد.

رابعاً: إبقاء السلطة الفلسطينية ممولاً دون تمكينها (حتى 2017)
حتى عام 2017، استمرت السلطة الفلسطينية في:
*. دفع رواتب عشرات آلاف الموظفين في غزة.
*.تمويل الكهرباء والمياه.
*. لعب دور القناة المالية الأساسية للقطاع.

هذا الترتيب خدم إسرائيل عبر نقل العبء المالي بعيداً عنها، والإبقاء على نفوذ شكلي للسلطة دون إعادة دمج سياسي حقيقي.
لكن عندما استخدمت السلطة الاقتصاد كسلاح سياسي ضد حماس عام 2017، وقلّصت الرواتب والكهرباء، واجهت إسرائيل احتمال انهيار شامل للقطاع، ما شكّل نقطة تحوّل استراتيجية.

خامساً: ما بعد 2018 – تحييد السلطة
بدءاً من 2018، سمحت إسرائيل بإدخال المنحة القطرية بانتظام، ما أدّى إلى:
١.تحييد السلطة الفلسطينية نهائياً عن غزة.
٢.تزويد حماس بمورد مالي مستقل.
٣.تثبيت حكم الحركة كسلطة إدارية مستقرة.
تحوّل الانقسام من خلاف سياسي إلى انفصال مالي وإداري بنيوي، مع قنوات تمويل إقليمية منفصلة عن رام الله.

سادساً: أموال المقاصة – تكريس الانفصال المالي والسياسي.
بعد 2019، تحولت أموال المقاصة إلى أداة ضغط إسرائيلية مركزية على السلطة الفلسطينية، عبر الاقتطاعات والتحكم بالتدفقات المالية، ما أدى إلى:
*.إضعاف القدرة التفاوضية للسلطة
*.تعميق الفصل المالي بين الضفة وغزة
*.خلق اقتصادين فلسطينيين منفصلين بمرجعيتين مختلفتين.
هذا الواقع وفّر لإسرائيل ذريعة دائمة لغياب “الشريك الفلسطيني الموحد”.
سابعاً: تصاريح العمال ومنطق “ثمن الخسارة” (2021–2023)
بعد حرب سيف القدس 2021، توسّع النموذج الاقتصادي بإدخال عشرات آلاف العمال الغزيين إلى سوق العمل داخل إسرائيل، ضمن منطق يقوم على:
خلق “ثمن خسارة” يمنع التصعيد، ربط دخل آلاف العائلات بترتيبات منفصلة عن الضفة، وتعزيز اقتصاد خدماتي تابع وغير منتج.
ثامناً: الردع بواسطة الاقتصاد
لم تكن المنح القطرية وتصاريح العمال مجرد قرارات سياسية، بل جزءاً من عقيدة أمنية تبنّتها المؤسسة الإسرائيلية. فقد ساد إجماع أمني على أن تحسين الوضع الاقتصادي يُقيّد قرار حماس العسكري عبر حسابات الربح والخسارة، رغم الإدراك بتسرّب محدود للأموال.
حتى قبيل أكتوبر 2023، ظلّ التقدير الاستخباراتي يعتبر الاستقرار الاقتصادي مصلحة أمنية بحد ذاته، ما حوّل الاقتصاد من أداة إنسانية إلى وسيلة ردع وإدارة صراع.
تاسعاً: الانقسام كأصل استراتيجي
بحلول 2023، أصبحت النتائج واضحة:
*اقتصادان فلسطينيان منفصلان.
*.سلطتان بمرجعيتين ماليتين مختلفتين.
*.غياب أي قاعدة اقتصادية لوحدة سياسية مستقبلية.
سياسياً، أتاح ذلك لإسرائيل إدارة الصراع دون حل، واحتواء غزة ككيان منفصل بدل دمجها في مسار سياسي شامل.

تكشف تجربة 2007–2023 أن الاقتصاد لم يكن هامشاً في إدارة الانقسام الفلسطيني، بل أداته الأكثر فاعلية، حيث جرى تفكيك العلاقة بين الاقتصاد والسيادة، وتحويل المال إلى وسيلة لإعادة تشكيل السياسة وتثبيت الفصل.
ما بعد الحرب على غزة، لم يعد هذا المشروع مقتصراً على أدوات اقتصادية أو ترتيبات إدارية مؤقتة، بل يتجه نحو فصل مطلق بين غزة والضفة الغربية، يقوم على مرجعيات مختلفة للحكم والتمويل والشرعية، وربما السيادة نفسها. ويعكس تشكيل مجلس السلام  وترتيبات «اليوم التالي»  انتقالاً واضحاً من إدارة الانقسام إلى ترسيخه كنظام دائم.
في هذا السياق، لم يعد الانقسام أزمة سياسية قابلة للاحتواء، بل بنية مكتملة تُدار فيها غزة والضفة كمساحتين منفصلتين، لكل منهما اقتصادها ومرجعيتها وعلاقتها المختلفة بإسرائيل والعالم. ومع اكتمال هذا المسار، يصبح الحديث عن وحدة فلسطينية تلقائية أو لاحقة أقرب إلى الوهم، لا لاستحالتها، بل للكلفة الاستراتيجية الباهظة لتفكيك هذا الواقع المصنوع بعناية.
من هنا، لا تبدو الوحدة الوطنية خياراً سياسياً مؤجلاً، بل ضرورة عاجلة لقطع الطريق على تحويل الانقسام إلى قدر دائم. فكل تأخير في إعادة بناء مرجعية وطنية موحدة لا يعني إدارة الأزمة، بل يتيح استكمال مشروع إلغاء الوحدة سياسياً واقتصادياً ومؤسسياً.