وكالات/ الاقتصادية
تحولت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى أزمة عابرة للحدود طاولت ملايين العمال المهاجرين في الخليج. فمع الهجمات الصاروخية المتبادلة وإغلاق مجالات جوية وتعطل رحلات، وجد مئات الآلاف أنفسهم بين مطارات مغلقة ومخاوف متصاعدة بشأن سلامتهم ووظائفهم.
ودخلت المنطقة في مرحلة هي الأكثر خطورة منذ عقود، بعدما فجر اغتيال المرشد الأعلى آية الله موجة من الردود الانتقامية الإيرانية التي لم تكتف باستهداف العمق الإسرائيلي، بل امتدت لتطاول القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية المرتبطة بالولايات المتحدة في دول الخليج العربي، ووجد ملايين العمال المهاجرين أنفسهم "في خط النار" مباشرة.
وتشير البيانات الصادرة عن منظمة العمل الدولية وتقارير الهيئات الإحصائية الخليجية خلال عامي 2024 و2025، إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تعد الأعلى عالميا من حيث الاعتماد على العمالة الأجنبية، إذ يتراوح عدد العمال المهاجرين فيها بين 28 و30 مليون عامل، يمثلون ما بين 75% و85% من إجمالي قوة العمل في المنطقة.
وتصل النسبة في بعض الدول إلى مستويات استثنائية، ففي الإمارات وقطر تتجاوز العمالة الأجنبية 90% من سوق العمل، بينما تبلغ نحو 75% في السعودية ونحو 80% في الكويت، ما يجعل البنية الاقتصادية في الخليج قائمة هيكليا على العمالة العابرة للحدود، لا سيما في قطاعات البناء والطاقة والخدمات والرعاية الصحية.
وبحسب بيانات البنك الدولي الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فإن التحويلات المالية السنوية من الخليج إلى دول المصدر تتجاوز 100 مليار دولار، حيث تستحوذ الهند وحدها على أكثر من 40 مليار دولار سنويا، تليها مصر بنحو 20 مليار دولار، والفيليبين بحوالي 15 مليار دولار، وباكستان بأكثر من 12 مليار دولار، ونيبال بنحو 8 - 9 مليارات دولار، وهو ما يعكس مدى الترابط المالي بين اقتصادات الخليج واقتصادات آسيا وأفريقيا، بحيث إن أي اضطراب طويل الأمد في سوق العمل الخليجي لا يهدد فقط العمال المقيمين، بل يمتد أثره إلى ميزانيات دول بأكملها تعتمد على تحويلات المغتربين بما هي مصدر رئيسي للنقد الأجنبي.
عمال على خط النار
وأفادت وزارة الدفاع الإماراتية في بيان لها أمس الأحد بأنها تعاملت منذ بدء الاعتداءات الإيرانية مع 165 صاروخا باليستيا وصاروخين كروز و541 طائرة مسيرة، وقالت إن ثلاثة أشخاص من بنغلادش ونيبال وباكستان قتلوا في الاعتداءات الإيرانية منذ يوم السبت، وأضافت أن 58 شخصا من 15 دولة، من بينها الهند والفيليبين وباكستان وإيران وبنغلادش وسريلانكا، أصيبوا بإصابات طفيفة.
وأعلنت السفارة الهندية في أبوظبي إصابة مواطن هندي، مؤكدة أنه خارج دائرة الخطر وأن المساعدة القنصلية جارية. وقال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي يعمل نحو 9 ملايين من مواطني بلاده في الخليج، في منشور على منصة "إكس"، إنه تحدث مع رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد بشأن رعاية الجالية الهندية. كما وجه جميع الوزارات في حكومته إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة والممكنة لمساعدة المواطنين الهنود المتأثرين بالتطورات.
وفي مانيلا، أكدت وزارة العمال المهاجرين الفيليبينية، اليوم الاثنين، أن الوضع لم يصل بعد إلى مستوى الإنذار الرابع الذي يستدعي إعادة جماعية إلزامية، لكنها كثفت المساعدات داخل الدول المتأثرة، بما في ذلك توفير المأوى والنقل والغذاء.
ويبلغ عدد العمال الفيليبينيين في المنطقة نحو مليوني شخص، وفق وزارة الشؤون الخارجية الفيليبينية. وقال وزير شؤون العمال المهاجرين الفيليبيني، هانز ليو كاكداك، في إحاطة اليوم الاثنين، إن الحكومة مستعدة لإصدار أمر بإعادة إلزامية إلى الوطن لنحو 2.4 مليون عامل فيليبيني في الشرق الأوسط إذا تفاقم الوضع.
غير أن وزير الداخلية والحكم المحلي الفيليبيني جونفيك ريمولا قال في رسالة نصية إن القرار يجب دراسته بعناية، إذ إن عملية نقل واسعة النطاق كهذه قد يكون لها تأثير مدمر على كل من الفيليبين والدولة المضيفة.
وأضاف: "الأمر ليس بهذه البساطة. الفيليبينيون يديرون ربما 50% من القدرة الصحية والخدمية في الإمارات. علينا أن نستعد لكل الاحتمالات".
ونقلت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية عن كريس باغليكاوان، وهي عاملة تجزئة تبلغ من العمر 34 عاما في قطر، قولها إن هذه هي المرة الأولى التي تشهد فيها هجمات بهذا الحجم خلال 11 عاما قضتها في الدولة الخليجية.
وأوضحت أنها تلازم منزلها بعد سقوط حطام صاروخي على بعد بضعة كيلومترات فقط من مقر إقامتها في وسط المدينة خلال عطلة نهاية الأسبوع، كما أُغلق متجر مستحضرات التجميل الذي تعمل فيه مؤقتا. وأضافت: "هذه ثالث ليلة لا ننام فيها. يمكن سماع دوي الصواريخ التي يتم اعتراضها بوضوح".
وأعلنت إندونيسيا وتايلاند، اليوم الاثنين، أنها تراقب مواقع مواطنيها، ودعتهم إلى البقاء في أماكنهم. كما أكدت في بيانات منفصلة أنها تستعد لوضع خطط للإجلاء والإعادة إلى الوطن في حال تصاعدت الهجمات.
كما أعلنت وزارة العمل المصرية تشكيل لجنة لمتابعة أوضاع العمال المصريين في الخليج، والتواصل مع مكاتب التمثيل العمالي لتقييم المخاطر المحتملة. ويعتمد الاقتصاد المصري على تحويلات العاملين بالخارج بما هي مصدر رئيسي للعملة الصعبة.
عمال عالقون
وفي نيبال، تحول مطار تريبهوفان الدولي في كاتماندو إلى مشهد إنساني مؤلم، حيث ترك مئات المسافرين المتجهين إلى دبي وقطر والسعودية عالقين بعد تعليق الرحلات بسبب إغلاق المجال الجوي.
وأفاد موقع" خبرهاب" النيبالي أن العديد منهم ينامون على الأرضيات الإسمنتية الباردة دون طعام كاف أو مال يكفي للعودة إلى منازلهم. ويقدر عدد العمال النيباليين في الخليج بنحو مليوني شخص، ما يجعل أي اضطراب في حركة الطيران أو العمل ذا أثر مباشر على الاقتصاد النيبالي المعتمد على التحويلات المالية.
وناشد المسافرون العالقون الحكومة النيبالية وشركات إلحاق العمالة والجهات المعنية تقديم الدعم، بحسب الموقع.
وقال روشن كومار ياداف من سيراها إنه كان متجها إلى قطر للمرة الأولى، مؤكدا أن أمواله نفدت بعد يومين من الانتظار.
وأضاف: "إذا طالت الحرب واضطررت للعودة إلى المنزل، فليس لدي حتى أجرة الحافلة. لقد حملت مصاريف ليوم واحد فقط". وقال جايالال ماندال من دهنوشا، الذي يعمل نجارا في قطر: "لم أحمل مالا إضافيا" ، لافتا إلى أنه عاد إلى بلاده في إجازة لمدة 20 يوما لحضور زفاف ابنته.
وقال راجكيشور بانديت إنه هو وصديقه يعيشان على الماء منذ ثلاثة أيام ولا يملكان سوى بضع روبيات، بينما أشار كريشنا سينغ بوهارا إلى أن مئات العالقين يواجهون مستقبلا مجهولا، محذرا من أن عودة أعداد كبيرة من العمال من الخليج قد تخلق تحديات اقتصادية داخل نيبال.
تهديد تجاري واقتصادي
ومن جانبها، أعلنت وزارة الطيران المدني الهندية، أمس الأحد، إلغاء 350 رحلة داخلية بسبب قيود المجال الجوي المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة.
كما أصدرت وزارة الموانئ والشحن تحذيرات للبحارة الهنود في المياه الإيرانية ومضيق هرمز. وهو ما يعني أن الأزمة لم تعد محصورة في العمال المقيمين، بل طاولت سلاسل النقل البحري والجوي، ما يهدد التجارة الإقليمية وحركة الطاقة. وتشكل التحويلات المالية من الخليج ركيزة أساسية لاقتصادات مثل نيبال والهند والفيليبين ومصر.
ففي نيبال، تمثل التحويلات أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات البنك الدولي.
وأي توقف في العمل أو عودة جماعية للعمال قد يؤدي إلى صدمة في ميزان المدفوعات بحسب البنك الدولي. كما أن عودة أعداد كبيرة من العمال قد تضغط على أسواق العمل المحلية في بلدان المصدر، التي تعاني أصلا من بطالة مرتفعة، ما يفاقم التحديات الاجتماعية والمالية. وحتى الآن، لم تعلن أي دولة آسيوية خطة إجلاء جماعي واسعة، لكن الاستعدادات جارية، بحسب مسؤولين هنود وفيليبينيين ونيباليين، غير أن العقبة الكبرى تبقى في إغلاق المجالات الجوية، إذ لا يمكن تنفيذ عمليات إجلاء واسعة دون فتح مسارات آمنة، ما يجعل الحل رهينا بالتطورات العسكرية.

