وكالات/ الاقتصادية
شهد العالم مؤخراً تداعيات غير مسبوقة للنزاعات الجيوسياسية على الاقتصاد الرقمي، حيث لم تعد الحروب تقتصر على أسواق النفط وحدها، بل وصلت إلى صناعات التكنولوجيا المتقدمة.
أزمات الطاقة لم تعد مجرد مسألة وطنية، بل أصبحت تهدد سلاسل التوريد العالمية، وطال ذلك قطاع أشباه الموصلات الذي يعتمد على استقرار الكهرباء والتوريدات العالمية.
تأثير حرب إيران على صناعة الرقائق
في كوريا الجنوبية، رغم بعدها عن منطقة الصراع، شعرت بصدمة قوية في سوق الأسهم، حيث تراجع السوق بنسبة 18% خلال أربعة أيام فقط، وهو أكبر انخفاض منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ما أدى إلى خسارة أكثر من 500 مليار دولار من القيمة السوقية. والسبب في ذلك هو الاعتماد الكبير على الطاقة المستوردة لتشغيل مصانع الرقائق، خصوصاً النفط والغاز الطبيعي المسال الذي يمر أغلبه عبر مضيق هرمز.
لكن الهلع في السوق لم يكن مجرد عرض سطحي، إذ كشف عن ضعف هيكلي أعمق في اقتصاد كوريا، فاعتماد البلاد على الطاقة المستوردة يجعل أي صدمة جيوسياسية تتحول بسرعة إلى أزمة اقتصادية حادة، خصوصاً عندما تهدد هذه الصدمات تشغيل صناعات رئيسية مثل صناعة الرقائق المتقدمة.
الصراع في الشرق الأوسط لم يكشف عن ضعف في الاقتصاد، لكنه كشف مدى خطورة الاعتماد الطويل الأمد على الطاقة في اقتصاد فقير بالموارد.
صناعة الرقائق في مواجهة الخطر
تعتمد كوريا الجنوبية على الكهرباء الناتجة أساساً من الوقود الأحفوري المستورد، وخاصة النفط والغاز الطبيعي المسال. فالنفط يمثل 36.6% من مزيج الطاقة الأولية، يليه الفحم بنسبة 22.3% والغاز الطبيعي 19.7%، فيما يتم استيراد نحو 70% من النفط الخام من الشرق الأوسط، ومعظم هذه الإمدادات تمر عبر مضيق هرمز.
من بين الصناعات التي تعتمد على هذه الطاقة، تحتل صناعة الرقائق الكورية مكانة عالمية، حيث تمثل شركتا سامسونغ وإس كيه هاينكس نحو 40% من القيمة السوقية لسوق الأسهم الكورية. وخلال يومين من تداولات الأسبوع الجاري خسرت الشركتان أكثر من 20% من قيمتهما السوقية، قبل أن تستعيد جزءاً منها مع استقرار السوق.
ولطالما شكلت فجوة بين احتياجات الطاقة الصناعية ومتطلبات تصنيع الرقائق المتقدمة تهديداً لصناعة أشباه الموصلات في كوريا. ورغم الالتزام الطويل بالتحول إلى طاقة نظيفة، مثل النووية والشمسية والرياح والوقود الحيوي، لم تتحقق قفزات كافية، حتى مصادر الكهرباء الأقل اعتماداً على الشرق الأوسط، مثل الفحم (33%)، لا تزال تفوق النووي (31%).
مع طموح كوريا لزيادة إنتاج الرقائق، ستزداد الحاجة للطاقة. فعلى سبيل المثال، أكبر مجمع للرقائق في العالم يُبنى حالياً في يونغين، مقاطعة جيونجي، ومن المتوقع أن يفتح جزئياً عام 2027، وسيتطلب تشغيله نحو 16 غيغاواط من الكهرباء، أي ما يعادل 17% من الذروة الوطنية للكهرباء في كوريا.
ويظل اعتماد كوريا على الطاقة المستوردة له تبعات عالمية، إذ تشكل الشركات الكورية الكبرى في مجال الذاكرة الرقمية مثل HBM وDRAM نحو 70–80% من السوق العالمية، وأي اضطراب في الكهرباء الكورية سيؤثر على سلاسل التوريد العالمية لتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والسيارات الصناعية.
ودفع ارتفاع تكاليف الطاقة في كوريا بين 2020 و2024 بما يزيد على 60% العديد من الشركات لتوسيع الإنتاج خارج البلاد، خاصة إلى الولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا، لكن أي اضطراب يبقى له أثر عالمي بسبب الطلب الكبير على الرقائق.
حرب إيران لم تخلق ضعف كوريا الطاقي كمثال، لكنها أظهرت خطورة الاعتماد الطويل لأي اقتصاد على الطاقة المستوردة.
وفي حالة كوريا وفي ظل عصر يعتمد الاقتصاد الرقمي العالمي على الرقائق الكورية بشكل كبير، أصبح تأمين الكهرباء لهذه الصناعة مسألة أمن اقتصادي وتقني، وليس مجرد قضية طاقة.

