غزة/ خاص الاقتصادية
في وقت يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة حرب مدمّرة وانهيار اقتصادي غير مسبوق، تتواصل إجراءات الاحتلال المجحفة بحق تتواصل سياسة الاحتلال في تصعيد الأزمات، ومنها أزمة تجميد حسابات موظفي السلطة الفلسطينية لدى بنك فلسطين في قطاع غزة المستمرة منذ أواخر عام 2025 بأوامر مباشرة من الاحتلال، وتتفاقم معاناة الموظفين وعائلاتهم بسببها هذ الإجراء.
بداية الأزمة
قام بنك فلسطين بتجميد حسابات عدد من موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، مما أدى إلى حرمانهم وعائلاتهم من رواتبهم ومدخراتهم لأشهر. الموظفون المتضررون يؤكدون أن حساباتهم "نظيفة" وأن هذا الإجراء "تعسفي" وبدون مسوغ قانوني أو قرار قضائي واضح.
وقال عضو لجنة مظلومية المجمدة حساباتهم البنكية يوسف التلباني في حديثه مع صحيفة الاقتصادية، إنه تم تجميد الحسابات في شهر يوليو عام 2025 وكان في البداية الإجراء عبارة عن تجميد مؤقت لمدة 25 يوماً، وكان يوجد في الحسابات الراتب المخصص لهم، وبعد تواصلهم مع البنك الذي أكد لهم أن هذه الاجراء مؤقت وبإمكانهم صرف رواتبهم بعد المدة المحددة، ولكنهم في شهر أكتوبر تفاجئوا بتجميد الحساب حتى موعد كتابة التقرير.
وأوضح التلباني أن عدد الموظفين الذين تم تجميد حساباتهم يقارب 1200 موظف، وإنه تم التواصل مع بنك فلسطين بشكل دائم ومستمر بالإضافة لتقديم شكاوي لدى سلطة النقد والشبكة الأهلية أمان بالإضافة لتقديم شكاوي لدى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان.
وأكد التلباني إن حساباتهم طبيعية مثل باقي الموظفين ولم يتلقوا أي حوالات مالية ضخمة وأن الذي يتم تحويله على حساباتهم هو الراتب فقط
أوضاع مأساوية
وأكد التلباني إن أغلب الموظفين لا يملكون حسابات بديلة بعد أن تجميد حساباتهم البنكية بالإضافة لتفييد محافظهم بال باي الأمر الذي فاقم من معاناتهم خاصة وأن الأوضاع الاقتصادية في غزة صعبة للغاية، وأنهم باتوا لا يستطيعون توفير أبسط الاحتياجات لأسرهم، سواء لعدم قدرتهم على صرف رواتبهم أو حتى استخدام حساباتهم لشراء ما يلزمهم خاصة علميات الشراء والبيع في غزة باتت تعتمد بشكل أساسي على التحويلات الالكترونية لعدم توفر السيولة وأزمة العملة المهترئة
وأكد التلباني ان حياتهم وحياة أسرهم تعرضت للخطر خلال الحرب لعدم قدرتهم على دفع تكاليف النزوح حتى أنه اضطر للنزوح من مدينة غزة إلى المحافظة الوسطى مشيا على الأقدام جراء عدم توفر الأموال اللازمة لدفع تكلفة شحن النقل.
معاناة إنسانية
ووصف الموظفون الوضع بأنه "إعدام مالي" و"موت بطيء"، حيث حُرموا من مصدر دخلهم الوحيد في ظل ظروف الحرب والأوضاع الاقتصادية الصعبة في غزة.
وأفادت لجنة المظلومية أن التجميد لم يقتصر على حسابات بنك فلسطين، بل تم "تعميم أرقام هوياتهم على جميع المصارف"، مما منعهم من فتح حسابات جديدة أو استخدام محفظة "بال باي"، مما ضيق الخناق عليهم بشكل كامل.
وقال التلباني:" الأمر لا يقتصر على عدم تلقيهم رواتبهم بالإضافة لحرمانهم من المساعدات النقدية التي تقوم المؤسسات الدولية كاليونسيف والأونروا التي تعتمد على وجود محافظ الكترونية لهم".
وأشار التلباني أن أوضاعهم الاقتصادية صعبة للغاية حيث لا يستطيعون دفع إيجار البيوت التي يسكنون فيها أو حتى إقامة خيمة لهم،
موقف بنك فلسطين
حتى الآن، لم يصدر عن بنك فلسطين بيان رسمي يوضح أسباب هذه الإجراءات، حيث إن الموظفين المجمدة حساباتهم أشاروا إلى تلقيهم تفسيرات متناقضة، مرة بأنها مشكلة تتعلق بتحديث البيانات، ومرة أخرى بأنها أسباب تنظيمية ورقابية، مما زاد من حالة الغموض وفقدان الثقة.
وأكدت مصادر خاصة لصحيفة الاقتصادية أن التجميد قد يكون "بطلب من الجانب الإسرائيلي"، لكن هذا لم يتم تأكيده رسميًا من أي جهة.
أداة ضغط سياسي
من جانبه، أكد المختص في الشؤون الاقتصادية ماجد أبو دية إن الحكومة الاسرائيلية تتبع سياسة التمديد القصير والمتكرر للعلاقات المصرفية مع البنوك الفلسطينية، وبرزت هذه السياسة بشكل واضح وممنهج خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ عام 2018، مع تزايد الضغوط القانونية والمالية على البنوك الإسرائيلية.
وقال أبو دية في حديثه مع الاقتصادية: "مع اندلاع الحرب على غزة في شهر اكتوبر 2023 اصبحت هذه السياسة ثابته، تعتمد نهج التمديدات القصيرة (أسابيع أو أشهر) بدل الاتفاقات طويلة الأمد".
وأوضح أبو دية أن اسرائيل تعمل على إلزام البنوك الفلسطينية على تشديد الرقابة المالية ومكافحة ما تسميه "تمويل الإرهاب"، وتطبيق معايير صارمة على التحويلات المالية، ومشاركة معلومات مالية عند الطلب مع الجهات الإسرائيلية، وممارسة ضغط مستمر على السلطة للتوقف عن صرف مخصصات الأسرى والشهداء، ومراقبة قنوات صرف الرواتب لمنع وصولها إلى جهات تعتبرها إسرائيل محظورة.
ونوه أبو دية إنه في هذا الإطار زودت وزارة المالية الاسرائيلية البنوك الفلسطينية بقائمة تضم الاف الحسابات التي تعود لأسر شهداء وجرحى وطالب بإغلاقها، الى جانب حسابات اخرى تعتبر اسرائيل ان اصحاب هذه الحسابات يمارسون نشاطات محظورة
هناك تقارير إسرائيلية تحدثت عن نحو 3400 حساب مرتبطة بالأسرى مطلوب اغلاقها وقوائم تضم 1200 شخص و 40 مؤسسة
وبالفعل هناك العديد من عملاء البنوك اشتكوا من اغلاق حساباتهم دون ابداء اية أسباب.
إجراءات غير قانونية
وأكد أبو دية إنه رغم عدم قانونية هذه الاجراءات تصر اسرائيل على فرض شروط اغلاق المزيد من الحسابات كلما حان موعد تمديد العلاقة مع البنوك الفلسطينية، حيث يفرض القانون الدولي على القوة القائمة بالاحتلال عدم التدخل في الحياة الاقتصادية، ويعتبر الإغلاق الجماعي للحسابات إجراءً تعسفياً وشكلاً من اشكال٠ العقاب الجماعي لأنه يستهدف فئات واسعة دون تمييز، كما ان التدخل الإسرائيلي المباشر في قرارات البنوك الفلسطينية يُعد مساساً بالسيادة المالية الفلسطينية.
أوضح أنه عمليا إسرائيل تفرض هذه الإجراءات عبر نفوذها المالي والمصرفي، وليس عبر مسار قانوني متكامل.
وأشار أبدية إلى أن السلطة لا تعمل في بيئة سيادية كاملة، بل ضمن نظام مالي مُقيَّد يجعل قراراتها محكومة بتوازنات حساسة بين تلبية الشروط والطلبات الاسرائيلية ومنع النظام المصرفي من الانهيار، في حال رفضت اسرائيل تمديد العلاقة مع البنوك الفلسطينية.
فالبنوك الفلسطينية تحتاج البنوك الإسرائيلية لتنفيذ التحويلات، واجراء المقاصة، واتمام معاملات التجارة الخارجية
كذلك الاقتصاد الفلسطيني يعتمد بشكل كبير على الشيقل، إدخال وترحيل السيولة يتم عبر البنوك الإسرائيلية
قطع هذه العلاقة يعني شلل شبه كامل في النظام المصرفي الفلسطيني، وازمة نقدية في السوق المحلي

