اليوم الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦م

تحليل: ماذا خسرت السعودية وقطر والإمارات خلال شهر من الحرب على إيران؟

اليوم, ٩:٤٤:٥٥ م
الخسائر
الاقتصادية

تحليل /خاص الاقتصادية/

بعد شهر من اندلاع الحرب مع إيران، لاحق واقع اقتصادي مؤلم دول الخليج العربي.

فقد كان الشهر الذي مضى من الحرب على إيران بالنسبة للقوى الاقتصادية الثلاث في المنطقة - السعودية والإمارات وقطر - بمثابة درس قاسٍ في محدودية القوة الاقتصادية وهشاشة البنية التحتية للتصدير. 

ورغم عدم وجود تقارير رسمية لحجم الخسائر، فقدت رصدت تحليل أجرته صحيفة الاقتصادية بالاستناد إلى البيانات الصادرة من البلدان الثلاثة وحدها أضرارًا مباشرة وغير مباشرة تُقدر بنحو 20 إلى 25 مليار دولار.

وخسرت الدول الثلاثة نحو 1% من ناتجها المحلي الإجمالي في شهر من الحرب.

وتشمل الخسائر أيضاً أضراراً في البنى التحتية الاقتصادية ودخول الشركات والافراد وصولاً للانعكاسات الكبرى الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز.

ويُعدّ مضيق هرمز  شريان الحياة الذي يمرّ عبره عادةً خُمس استهلاك النفط العالمي، وقد أدّى انخفاض حركة الملاحة عبر المضيق، من حوالي 20 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 10% من حجمها المعتاد، إلى سلسلة من التداعيات التي شلّت سلاسل الإمداد الإقليمية. 

ووفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، اضطرت دول الخليج إلى خفض إنتاجها المُخطط له بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يوميًا. 

وكشف هذا الحصار اللوجستي عن اعتماد المنطقة المُطلق على ممرات الشحن الضيقة، وأثبت أن حتى أغنى اقتصادات العالم ليست بمنأى عن الشلل الجيوسياسي.

السعودية: لا تزال تعتمد على النفط

في المملكة العربية السعودية، أكبر دول المنطقة وأكثرها نفوذاً، تُلقي الضربة الاقتصادية بظلالها على قطاع الطاقة. 

فقد اضطرت المملكة إلى خفض إنتاج النفط من 10.4 مليون برميل يومياً في فبراير إلى 8 ملايين برميل فقط في مارس. 

ومع وصول سعر برميل خام برنت إلى حوالي 113 دولاراً، بلغت خسارة الدخل الإجمالي أكثر من 8 مليارات دولار في شهر واحد فقط، وذلك في قطاع النفط الخام وحده.

 وإذا أضفنا إلى ذلك إغلاق محطة تصدير غاز البترول المسال، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، فإن خسائر المملكة في الشهر الأول سترتفع إلى حوالي 10 مليارات دولار. 

ومع ذلك، فقد أثبتت المملكة العربية السعودية جدوى استثماراتها طويلة الأجل في البنية التحتية البديلة، إذ مثّلت القدرة على زيادة الصادرات بسرعة عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، الذي بلغت طاقته الاستيعابية حوالي 5 ملايين برميل يومياً بنهاية مارس، صمام أمان بالغ الأهمية حال دون انهيار كامل للسيولة النقدية للمملكة.

مع ذلك، لا تعني المرونة العملياتية السعودية حصانة اقتصادية. فقد بُنيت ميزانية الدولة لعام 2026 على افتراض عجز يبلغ نحو 44 مليار دولار، أي ما يعادل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان من المتوقع أن يرتفع الدين العام إلى نحو 430 مليار دولار. ورغم جهود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتنويع الاقتصاد في إطار رؤية 2030، يُظهر الواقع أن المملكة لا تزال تعتمد على النفط بنسبة 54% من إيراداتها. 

وهذا يعني أن كل شهر من القتال يُجبر الرياض على الاختيار بين إبطاء مشاريعها الضخمة الطموحة وزيادة الاقتراض من الأسواق الدولية، حتى لا تستنزف احتياطيات صندوق الثروة السيادية بسرعة كبيرة.

الإمارات العربية المتحدة

أما في الإمارات العربية المتحدة، فالوضع معقد ومختلف، فرغم أن الأضرار المباشرة الناجمة عن إنتاج النفط أقل من تلك التي لحقت بالسعودية، وتُقدّر بنحو 3 مليارات دولار شهريًا، إلا أن الضرر الحقيقي الذي لحق بالإمارات يكمن في النموذج الاقتصادي الذي جعل دبي وأبوظبي مركزين عالميين للطيران والخدمات اللوجستية والتجارة. 

وتُظهر البيانات الواردة من شركات الطيران الوطنية مدى عمق هذا الخلاف، فقد عادت مجموعة طيران الإمارات من دبي إلى حوالي 75% فقط من طاقتها الاستيعابية المعتادة، بينما تعمل الاتحاد للطيران من أبوظبي بنصف طاقتها، وانخفضت شركة فلاي دبي منخفضة التكلفة إلى الثلث فقط. 

وبالنظر إلى أن هذه الشركات تُحقق عائدات ضخمة تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا، فإن الضرر المباشر الذي لحق بقطاع الطيران وحده في الشهر الأول من الحرب يُقدّر بما بين 1.5 و2.5 مليار دولار. 

وعند إضافة شلل السياحة الوافدة، وإلغاء المؤتمرات الدولية، والاضطرابات الشديدة في ميناء الفجيرة الاستراتيجي خارج هرمز، يرتفع إجمالي الضرر المُقدّر للإمارات إلى 6 مليارات دولار. 

أخيراً، قد تكون الإمارات أقل عرضة للصدمات من قطر في قطاع الطاقة، لكنها أكثر عرضة للصدمات في قطاعي الخدمات والتجارة، اللذين يقوم عليهما تاريخها الاقتصادي.

قطر

وتبعا للمراقبين تتجلى الحالة الأكثر خطورة في قطر، فبالنسبة لهذه الإمارة الصغيرة، لا تمثل الحرب مجرد اضطراب لوجستي، بل ضربة مباشرة لشريان الحياة الرئيسي للبلاد، وهو صادرات الغاز الطبيعي المسال. 

وقد شكل إعلان شركة قطر للطاقة المفاجئ عن وقف الإنتاج وإعلان حالة "القوة القاهرة" بداية أزمة قد تستمر لسنوات.

 وأقر الرئيس التنفيذي للشركة بأن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية قد أدت إلى خسارة نحو 17% من الطاقة التصديرية السنوية للبلاد، وهي خسائر تُترجم إلى انخفاض في الإيرادات بنحو 20 مليار دولار على مدى ثلاث إلى خمس سنوات. وتجدر الإشارة إلى أن قطر تعتمد على الغاز والنفط في نحو 80% من إيراداتها.

إضافة إلى ذلك، التزمت الخطوط الجوية القطرية الصمت تقريباً، ولم تعمل في ذروة الأزمة إلا بنسبة 20% من طاقتها الاستيعابية، مما أضاف طبقة أخرى من الخسائر الفادحة إلى الميزانية الوطنية، والتي قُدّرت بنحو 5 إلى 8 مليارات دولار في الشهر الأول وحده.

ولم تتوقف الصدمة القطرية عند أروقة شركة الطاقة، بل سرعان ما امتدت إلى سوق رأس المال، فقد خسرت البورصة القطرية نحو 13 مليار دولار من قيمتها منذ بدء الحرب، مع اندفاع المستثمرين المؤسسيين الأجانب لبيع أصولهم والانسحاب من السوق. 

وانخفض مؤشرها بأكثر من 8% شهرياً، وهو رقم يعكس حالة الذعر التي انتابت المستثمرين جراء الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال. وتُعد هذه ضربة مالية قاسية تختبر قدرة البنك المركزي في الدوحة على دعم العملة المحلية والحفاظ على ثقة السوق في النظام المصرفي.

ورقة مهمة بيد الدول الثلاث 

وعلى الرغم من الصورة القاتمة، من المهم التذكير بأن الدول الثلاث تتمتع بدعم مالي يتمثل في صناديقها السيادية. 

حيث تمتلك البلدان أصول مدارة تُقدّر بأحجام هائلة - حوالي 915 مليار دولار في صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وأكثر من 900 مليار دولار في صناديق أبوظبي (مبادلة وADQ)، وحوالي 580 مليار دولار في صندوق قطر للاستثمار - ما يتح لها هوامش اقتصادية. 

وتُمكّنها هذه الصناديق من دعم استقرار البنوك، وتعويض الشركات المملوكة للدولة، وتمويل الواردات الأساسية، حتى في حال انقطاع تدفق عائدات التصدير.

ورغم ذلك يؤكد مراقبون أن الأموال الطائلة لصناديق الثروة السيادية ليست حلاً سحرياً، فهي ليست حساب جارٍ متاح بسهولة، إذ يُستثمر جزء كبير من أصولها على المدى الطويل في العقارات العالمية وشركات التكنولوجيا والبنية التحتية في الغرب، ولا يمكن تسييلها بسرعة دون تكبّد خسائر فادحة. 

ويرجح أن تتجه قطر والسعودية والإمارات إلى الاستدانة حيث ستواصل الرياض تمويل رؤيتها الاقتصادية، على إصدار السندات والصكوك (السندات الإسلامية) بوتيرة متزايدة. أما الإمارات، فبفضل تصنيفها الائتماني المرتفع وثقة المستثمرين بها، ستتمكن من الحصول على قروض بشروط مواتية نسبياً للحفاظ على سيولتها. في المقابل، قد تجد قطر نفسها مضطرة لاستخدام المزيد من السيولة الداخلية لصندوق ثروتها لسد العجز في الميزانية الناجم عن الأضرار المستمرة التي لحقت بإنتاج الغاز.

وفي النهاية، تكبدت السعودية أكبر الخسائر من حيث القيمة الدولارية المطلقة، لكنها تمتلك أفضل قدرة على التعافي المادي بفضل طرقها البديلة (بافتراض عدم تعطيل الحوثيين لها). أما الإمارات العربية المتحدة، فقد تلقت ضربة أقل حدة في قطاع الطاقة، لكنها عانت أشد وطأة على تنوع اقتصادها، في حين تُعد قطر الخاسر الأكبر استراتيجياً، إذ ستُلقي الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية الأساسية بظلالها عليها لسنوات قادمة.