اليوم الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦م

اقتصاد تحت الضغط: كيف يواجه الفلسطينيون عاصفة الغلاء وتآكل الدخل؟

اليوم, ٤:١٤:٢٨ م
الغلاء
الاقتصادية

بقلم: إياد مصطفى-باحث اقتصادي

في وقت تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية عالمياً، يواجه الاقتصاد الفلسطيني تحديات مركّبة تتجاوز حدود التقلبات التقليدية، لتلامس بنية الاقتصاد ذاته وقدرته على الصمود. فارتفاع معدلات البطالة، وتسارع التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، إلى جانب أزمة مالية حكومية خانقة، تشكّل مجتمعةً ملامح مرحلة اقتصادية دقيقة، يدفع ثمنها المواطن بشكل مباشر في حياته اليومية.

بطالة مرتفعة… وطلب ضعيف على فرص العمل

تشير المؤشرات إلى استمرار معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة، خاصة بين فئة الشباب والخريجين. هذا الواقع لا يعكس فقط ضعف خلق فرص العمل، بل يعكس أيضاً حالة ركود اقتصادي تحدّ من قدرة القطاع الخاص على التوسع والاستثمار. ومع محدودية المشاريع الإنتاجية، يصبح السوق أكثر اعتماداً على الوظائف الحكومية والمساعدات، وهي مصادر باتت بدورها تحت ضغط شديد.

التضخم وتآكل الأجور: دخل ثابت… وأسعار متصاعدة

في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: دخل ثابت يقابله ارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة. هذا التضخم لا يقتصر على السلع الكمالية، بل يشمل الغذاء، والمواصلات، والطاقة، ما يؤدي إلى تآكل حقيقي في قيمة الرواتب، خاصة لدى أصحاب الدخل المحدود.

الأزمة تتعمق أكثر لدى من يتقاضون أجورهم بالدولار الأمريكي، في ظل تراجع سعر صرف الدولار مقابل الشيقل الإسرائيلي. هذا الانخفاض يعني ببساطة أن القوة الشرائية لهذه الرواتب تتراجع، حتى دون أي تغيير اسمي في قيمتها، وهو ما يضيف طبقة جديدة من الضغط على شريحة واسعة من العاملين، خصوصاً في المؤسسات الدولية والقطاع الخاص المرتبط بالخارج.

أزمة المقاصة: شريان مالي تحت الحجز

تمثل أموال المقاصة نحو 68% من إيرادات خزينة وزارة المالية الفلسطينية، ما يجعلها العمود الفقري للمالية العامة. ومع استمرار احتجاز هذه الأموال، تواجه الحكومة أزمة سيولة حادة تعيق قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وعلى رأسها دفع الرواتب بشكل كامل ومنتظم. هذه الأزمة لا تبقى داخل أروقة المالية العامة، بل تمتد آثارها إلى السوق ككل، حيث ينخفض الإنفاق، ويتباطأ النشاط الاقتصادي.

تراجع الدعم الخارجي: هامش المناورة يضيق

بالتوازي مع أزمة المقاصة، يشهد الدعم العربي والدولي للخزينة الفلسطينية تراجعاً ملحوظاً، سواء لأسباب سياسية أو نتيجة تغير أولويات المانحين عالمياً. هذا التراجع يحدّ من قدرة الحكومة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، ويزيد من اعتمادها على مواردها الذاتية المحدودة أصلاً.

ارتفاع تكاليف الطاقة والمواصلات: ضغط يومي مباشر

لا تتوقف التحديات عند المؤشرات الكلية، بل تظهر بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية. فقد شهدت أسعار المحروقات وغاز الطهي ارتفاعات متكررة، ما انعكس مباشرة على تكاليف المواصلات وأسعار السلع والخدمات. هذا الارتفاع يضاعف من الأعباء على الأسر، ويؤثر سلباً على النشاط الاقتصادي، خاصة في القطاعات التي تعتمد على النقل والطاقة بشكل مكثف.

مقارنة دولية: حين تتكرر الأزمة بصيغ مختلفة

ما يمر به الاقتصاد الفلسطيني اليوم يجد له صدى في تجارب دول أخرى، وإن اختلفت السياقات. فخلال أزمة الديون السيادية في اليونان بعد عام 2009، واجه الاقتصاد اليوناني مزيجاً من البطالة المرتفعة، والتقشف الحكومي، وتراجع الدخول، ما أدى إلى انكماش اقتصادي حاد وتراجع مستوى المعيشة.

كما عانت لبنان منذ عام 2019 من انهيار مالي ونقدي أدى إلى تدهور قيمة العملة، وارتفاع التضخم، وتآكل رواتب المواطنين بشكل كبير.

ورغم الاختلاف الجوهري في طبيعة الاقتصاد الفلسطيني، خاصة في ظل القيود السياسية والهيكلية، إلا أن القاسم المشترك يتمثل في هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات، واعتماده على عوامل خارجية يصعب التحكم بها.

إلى أين؟

أمام هذا الواقع، يصبح البحث عن حلول أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فتعزيز الإنتاج المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتنويع مصادر الإيرادات العامة، تعد خطوات ضرورية لتقليل الاعتماد على العوامل الخارجية. كما أن إعادة هيكلة السياسات المالية، وتحسين إدارة الموارد، يمكن أن يساهم في تخفيف حدة الأزمة.

في النهاية، يبقى المواطن الفلسطيني هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يواجه يومياً تحديات تتجاوز قدرته الفردية على التكيف. وبين ضغوط الداخل وتقلبات الخارج، يقف الاقتصاد الفلسطيني عند مفترق طرق، يحتاج فيه إلى رؤية اقتصادية واقعية، وسياسات قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار، تمهيداً لمرحلة أكثر استدامة.