للعام الثالث على التوالي، يواجه قطاع غزة حرباً من نوع آخر تتمثل في "الخنق النقدي"، حيث تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض قيود صارمة على تدفق العملات الورقية. هذا الإجراء حوّل النقد من أداة لشراء الاحتياجات إلى "سلعة" تخضع للاحتكار والمضاربة، ما تسبب في اختلال بنيوي طال كافة القطاعات الاقتصادية.
ويرى مراقبون أن هذه القيود ليست مجرد إجراء أمني، بل هي خرق فاضح لـ "بروتوكول باريس الاقتصادي (1994)"، الذي يكفل حرية انتقال الأموال بين الأراضي الفلسطينية والاحتلال، بهدف وضع الاقتصاد الفلسطيني في حالة تبعية قسرية ومنعه من إدارة كتلته النقدية بشكل مستقل.
ويصف الخبير الاقتصادي د. سمير أبو مدللة الوضع بأنه "انهيار فعلي في وظيفة المال"، موضحاً انعكاسات الأزمة في النقاط التالية، تراجع القدرة الشرائية للأجور بنسبة تتجاوز 50%، تزامناً مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنحو 40% نتيجة تكاليف النقل والتعقيدات التجارية، وتآكل المدخرات حيث تسبب نقص النقد في نشوء "سوق سوداء لتسييل الأرصدة"، حيث يضطر المواطن لدفع عمولات تتراوح بين 20% و30% لتحويل رصيده البنكي إلى نقد “كاش”، وتشوه السلوك الاستهلاكي مع لجوء الأسر مرغمة إلى الاستدانة أو الاعتماد الكلي على المساعدات بعد عجز الأجور عن تلبية الاحتياجات الدنيا.
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر أن ما يحدث هو عملية "تجفيف ممنهج" تهدف إلى تعطيل دورة رأس المال وتغيير شكل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، من خلال ظهور فئات تستغل الأزمة لاقتطاع أجزاء من دخل الموظفين مقابل توفير السيولة، واعتماد الأنشطة التجارية على حلول بديلة (مثل الشراء الآجل) وهي وسائل أقل كفاءة وأعلى كلفة، مما يزيد من أمد الركود.
وطرح الخبراء حزمة من المقترحات للخروج من عنق الزجاجة، تتلخص في ملاحقة الجهات المعرقلة لتدفق العملات ومطالبة البنك الدولي والمانحين بالضغط لإلزام الاحتلال باتفاقية باريس، والتوسع في استخدام "المحافظ الإلكترونية" وتوطين الرواتب رقمياً لتقليل الاحتياج للنقد الورقي،وضرورة وجود بيئة سياسية تدعم الانتقال نحو الاقتصاد الرقمي لضمان ثقة الجمهور.

