اليوم الخميس ٠٧ مايو ٢٠٢٦م

قراءة اقتصادية سريعة حول هبوط الدولار أمام الشيقل

اليوم, ١٠:٣٧:٢٥ م
ماجد أبو دية
الاقتصادية

بقلم/ د.ماجد أبو دية

في كل مرة يهبط فيها سعر الدولار أمام الشيكل، يبدأ الناس بالسؤال: “هل هذا وقت مناسب لشراء الدولار أم لا؟”

والحقيقة أن الجواب ليس واحدًا للجميع، لأن تأثير انخفاض الدولار يختلف من شخص لآخر، ومن تاجر لآخر، وحتى من عائلة لأخرى.

 

في غزة وفلسطين عمومًا، الدولار ليس مجرد عملة أجنبية، بل هو جزء من حياتنا اليومية. كثير من التجار يشترون بضائعهم بالدولار، وبعض الموظفين أو المؤسسات يتقاضون رواتب أو مساعدات بالدولار، بينما أغلب الناس يتعاملون بالشيكل داخل السوق.

 

عندما ينخفض الدولار، يشعر البعض بالراحة، بينما يشعر آخرون بالخسارة.

فمثلًا من لديه مدخرات بالدولار، يخسر جزءًا من قيمتها عند تحويلها للشيكل، أما من عليه ديون بالدولار، فقد يستفيد لأن السداد يصبح أقل تكلفة نسبيًا.

 

لكن المشكلة الحقيقية ليست في صعود الدولار أو هبوطه فقط، بل في “ثقافة الارتباك” التي تصيب الناس عند أي تغير اقتصادي.

فبعض الناس يندفعون بسرعة، يبيع مدخراته بالدولار خوفًا من هبوط اكبر، أو يشتري الدولار بطريقة عشوائية، وهنا لا بد من قراءة المشهد جيدا خاصة بعد ان هبط سعر الدولار الى مستويات تاريخية حيث وصل الى 2.9 شيقل.

اولا : الدولار يتعرض لضغوط عالمية بسبب الحرب الاخيرة على ايران، وتداعياتها التي ما زالت قائمة وأثرت بشكل مباشر على الحركة التجارية عالميا

حيث تشهد منطقة مضيق هرمز تكدساً كبيراً وحالة من الشلل في حركة الملاحة، وتُشير تقارير حتى أوائل مايو 2026 إلى أن نحو 2000 سفينة من 87 دولة عالقة في المضيق ومحيطه، من بينها أكثر من 325 ناقلة نفط ومنتجات بترولية، ادت لانخفاض الحركة البحرية بنسبة 95% عن المستويات الطبيعية

وبتقديري هذا التكدس الذي عطل حركة التبادل التجاري بين الدول، كان عامل مهم للضغط على الدولار واضعافه و زيادة المعروض النقدي منه، فالنفط تاريخيًا يُباع بالدولار، ومعظم تجارة الطاقة العالمية مرتبطة بالدولار منذ عقود، ولهذا يُسمى الدولار أحيانًا

“البترودولار”.

من ناحية اخرى هناك بالفعل توجه عالمي متزايد لتقليل الاعتماد على الدولار، لأن الدولار أصبح بالنسبة لواشنطن: أداة مالية، وأداة عقوبات، وأداة ضغط سياسي.

فعندما تُفرض عقوبات أمريكية على دولة ما، غالبا يتم منعها من استخدام النظام المالي العالمي، تجميد أصولها بالدولار،أو عزل بنوكها

وهذا دفع دولًا مثل الصين وروسيا وايران وبعض دول مجموعة البريكس، إلى البحث عن بدائل مثل اليوان الصيني، العملات المحلية، الذهب، وأنظمة دفع بديلة عن النظام الأمريكي.

 

ثانيا: الشيكل يحافظ على مكانته

فهو لا يُستخدم بشكل واسع في التجارة الدولية خارج البيئة المرتبطة بإسرائيل، ولم تتكشف بعد خسائر الاقتصاد الاسرائيلي بسبب الحرب التي خاضتها على عدة جبهات منها غزة ولبنان واليمن وايران، وحجم الانفاق الحربي الكبير، وما تحتاجه اسرائيل لتعويض مخزونها العسكري الذي استنفذ في الحرب، وهروب استثمارات ضخمة من الاقتصاد الاسرائيلي، والغاء صفقات دولية ستقود الى تراجع في صادرات اسرائيل، تجعل الشيكل المتماسك حاليا يهدد الاقتصاد الإسرائيلي بإخراج المصدرين وشركات التكنولوجيا من السوق، وهذا بالفعل ما شهدناه مع هبوط الدولار إلى ما مستويات تاريخية، بدأت شركات إسرائيلية تعتمد على الدولار تحذر من خسائر فادحة وتسريح جماعي للعمال إذا لم تتدخل الحكومة، كما ان جمعية المصنعين الإسرائيليين قدّرت أن استمرار تراجع الدولار امام الشيقل  سيؤدي إلى خسارة صادرات بقيمة 31.5 مليار شيكل (10.5 مليار دولار) خلال العام المقبل.

البنك المركزي الاسرائيلي يريد غالبًا منع ارتفاع الشيقل المبالغ فيه فقط، وقام فعلًا بخفض الفائدة مرتين منذ بداية عام 2026 قبل أن يثبتها عند 4%، ومازال خيار خفض الفائدة على الشيقل مطروحا في سياق سياسة الموائمة بين التضخم وقوة الاقتصاد.

 

أغلب قراءات التحليل الفني الحالية، تشير الى ان الاتجاه العام للدولار أمام الشيكل ما زال هابطًا، وهناك احتمال قائم لمزيد من الانخفاض إذا لم تظهر عوامل سياسية أو اقتصادية تعكس الاتجاه، خاصة ان سعر الصرف الحالي يعتبر في منطقة دعم قوية جدا، وبعض النماذج الفنية ترى أنه إذا تم كسر 2.90 بوضوح، فقد يفتح المجال نظريًا لمستويات أقل لاحقًا.

لكن هناك أربع عوامل قد تقلب الاتجاه بسرعة، منها تدخل بنك إسرائيل بشراء الدولار، خفض الفائدة على الشيكل، تصعيد أمني أو سياسي كبير بالمنطقة، عودة قوة الدولار عالميًا.

أي خبر قوي في هذه الملفات قد يدفع الدولار للصعود فجأة حتى لو كان التحليل الفني سلبيًا.

الخلاصة: المستويات الحالية تعتبر فرصة تاريخية للشراء، وعمليات التصحيح قادمة لا محالة، والعواصف لم تبدأ على عملة الشيقل بعد.