اليوم السبت ٠٩ مايو ٢٠٢٦م

القطاع السياحي في غزة.. دمار يتجاوز المليار دولار ومستثمرون يواجهون المصير وحدهم

اليوم, ٢:٤٣:٠٢ م
القطاع السياحي
الاقتصادية

بين مطرقة حرب الإبادة وسندان التجاهل المؤسساتي، يلفظ القطاع السياحي في قطاع غزة أنفاسه الأخيرة تحت ركام منشآت كلف بناؤها سنوات طويلة من الاستثمار والعمل. فأكثر من مليار دولار من الأصول السياحية تبخرت تحت القصف والدمار، في حين يجد المستثمرون أنفسهم وحيدين في مواجهة خسائر فادحة والتزامات مالية متراكمة، وسط غياب أي برامج حقيقية للتعويض أو إعادة الإعمار. 

خسائر بالملايين وتشريد عشرات العاملين   

يتحدث المستثمر هيثم حندوقة وشريكه المدير التنفيذي أيمن حندوقة عن حجم الدمار الذي طال فندق "غلوريا" وشركة "لوزا للاستثمار السياحي"، بخسائر إجمالية تُقدّر بنحو خمسة ملايين دولار، إضافة إلى فقدان أكثر من 100 موظف لمصادر رزقهم. 

ويقول هيثم إن فندق "غلوريا"، الواقع على شاطئ مدينة غزة، تعرض لدمار واسع، إذ دُمّر نحو نصفه بشكل كامل، بما يشمل قرابة 16 غرفة، فيما تضرر الجزء الآخر بفعل القصف وعمليات السرقة التي طالت الأثاث والمحتويات. أما شركة "لوزا للاستثمار السياحي"، فقد تعرضت لدمار كلي قُدّرت خسائره بنحو ثلاثة ملايين دولار، ليصل إجمالي خسائر المؤسستين إلى نحو خمسة ملايين دولار، موزعة بين مليوني دولار للفندق وثلاثة ملايين للشركة. 

ويؤكد هيثم أن الأضرار شملت القاعات الفندقية، وقاعات الأفراح، والمطاعم، والكافيهات، وورش العمل، ما أدى إلى توقف النشاط بشكل كامل. كما أشار إلى أن المشروع كان يوفر فرص عمل لنحو 60 موظفًا في الفندق و45 آخرين في الشركة، ما يعني فقدان أكثر من 100 أسرة لمصدر دخلها. 

ورغم حجم الخسائر، حاول هيثم إعادة تشغيل جزئي للمشروع عبر تجهيز "قاعة لوزا" بإمكانات محدودة لإقامة حفلات الأفراح، في محاولة للحفاظ على حضور الشركة في السوق.

 من جانبه، أوضح أيمن حندوقة أن فندق "غلوريا" صُمم كمنشأة سياحية متكاملة وفق معايير دولية، ويضم مطابخ تحت الأرض بمساحة 380 مترًا مربعًا، وقاعة خارجية بمساحة 850 مترًا مربعًا، إضافة إلى طوابق مخصصة للمؤتمرات والأجنحة الفندقية. 

وأشار إلى أن المشروع يواجه، إلى جانب الخسائر، التزامات مالية ثقيلة، أبرزها إيجار سنوي للأرض بقيمة 70 ألف دولار، فضلًا عن مطالبات قانونية تصل إلى 250 ألف دولار تشمل متأخرات وديونًا سابقة.

 وانتقد أيمن غياب دعم هيئة المطاعم والفنادق، معتبرًا أن الاهتمام اقتصر على المنشآت الصغيرة، بينما جرى تجاهل الفنادق والمشاريع السياحية الكبرى. "موزيكا".. حلم استثماري تحول إلى أطلال   وعلى امتداد شارع الرشيد الساحلي بمنطقة تل الهوى جنوب مدينة غزة، لم يتبقَّ من مطعم وكوفي شوب "موزيكا" سوى أطلال تحكي قصة مشروع كان حتى وقت قريب وجهة للوفود والمؤسسات وعنوانًا للتميز السياحي.

 ويقف مالكه محمد عبدو وسط ركام مشروعه الذي كلّفه ملايين الدولارات، بعدما تحوّل الحلم الاستثماري إلى عبء ثقيل يهدد لقمة عيش أسرته. ولم يكن "موزيكا" مجرد مطعم عادي، بل مشروعًا استثماريًا ضخمًا بلغت تكلفته التأسيسية قرابة ثلاثة ملايين دولار، قبل أن يضيف عبدو مليون دولار أخرى لتجهيز المنشأة بأحدث المعدات اللوجستية وقاعات المؤتمرات، لتصل القيمة الإجمالية للاستثمار إلى نحو أربعة ملايين دولار.

 وكان المشروع يوفر فرص عمل لأكثر من 50 موظفًا يعيلون أسرهم من خلال العمل في مرافق المنشأة التي كانت تقدم خدمات فندقية متكاملة. 

ويروي عبدو بمرارة كيف انهار المشروع على مرحلتين؛ بدأت الأولى بدمار جزئي نتيجة القصف الإسرائيلي للمناطق المجاورة، فيما تمثلت الثانية ــ والتي وصفها بـ"الاحتلال الثاني" ــ في عمليات نهب واسعة طالت حتى تمديدات الكهرباء داخل الجدران. 

وتتفاقم معاناة المستثمر الغزي مع استمرار الالتزامات المالية رغم توقف الدخل بشكل كامل، إذ ما يزال عبدو ملزمًا بعقود إيجار سنوية تتجاوز 51 ألف دولار. ويختصر واقع حياته الحالي بقوله: "أنا اليوم أجاهد فقط لتوفير القوت اليومي لأبنائي الستة".

 أكثر من مليار دولار خسائر  

 من جهته، أكد رئيس جمعية الشاليهات السياحية في قطاع غزة، الدكتور وليد الجدي، أن القطاع السياحي تعرض لدمار واسع جراء حرب الإبادة، مشيرًا إلى أن حجم الأضرار تجاوز مليار دولار، في ظل غياب أي دعم حقيقي لإعادة الإعمار أو التعافي. 

وأوضح الجدي أن القطاع السياحي في غزة يضم المنشآت الفندقية، والمطاعم السياحية، والشاليهات، والمنتجعات، ومدن الملاهي الترفيهية، ويُعد من أكثر القطاعات كثافة من حيث رأس المال مقارنة بالقطاعات الخدمية الأخرى. وبيّن أن مدينة غزة وشمال القطاع تمثلان نحو 50% من إجمالي القطاع السياحي، وقد تعرضت هذه النسبة لدمار شبه كامل، حيث بلغت نسبة الدمار الكلي نحو 95%، مقابل 5% فقط من الأضرار الجزئية. 

أما المحافظات الجنوبية والوسطى، والتي تمثل نحو 40% من القطاع، فقد توزعت فيها الأضرار بدرجات متفاوتة؛ إذ سجلت رفح، التي تمثل 10% من القطاع، دمارًا كليًا تقريبًا، فيما بلغت نسبة الدمار الكلي في خانيونس، التي تمثل 12% من القطاع، نحو 4%. 

وفي المنطقة الوسطى، التي تشمل الزوايدة ودير البلح والنصيرات والبريج وتمثل 28% من القطاع، كانت الأضرار أقل حدة، إذ لم تتجاوز نسبة الدمار الكلي فيها 1% إلى 2%. وأشار الجدي إلى أن واقع المنشآت السياحية ينقسم حاليًا إلى ثلاثة مستويات؛ منشآت متضررة جزئيًا بدأت بالتعافي عبر جهود ذاتية من أصحابها، ومنشآت لم تتضرر واستمرت بالعمل خلال الحرب بل حققت أرباحًا نتيجة زيادة الطلب، إلى جانب المنشآت المدمرة كليًا، وهي الأكثر تضررًا، حيث يعجز أصحابها عن الوصول إليها أو إعادة بنائها في ظل الظروف الحالية. 

وشدد على الحاجة الملحّة لتدخل جهات داعمة، محلية ودولية، لتعويض أصحاب المنشآت المدمرة، لكنه أشار إلى غياب أي استجابة فعلية حتى الآن. 

وأضاف أن المؤسسات الدولية أوضحت، خلال لقاءات مع ممثلي القطاع، أن ملف التعويضات مؤجل إلى ما بعد بدء الإعمار، وسيُنظر فيه وفق الإمكانات والاحتياجات المتاحة. ولفت الجدي إلى أن العديد من أصحاب المنشآت السياحية باتوا اليوم ضمن قوائم متلقي المساعدات الغذائية والإغاثية، شأنهم شأن آلاف النازحين، بعد أن فقدوا مصادر دخلهم ومشاريعهم بالكامل.

 وأكد أن معظم المساعدات الحالية تُوجَّه إلى مراكز الإيواء والنازحين، في ظل شح الموارد وغياب أي برامج دعم مخصصة للقطاع السياحي، الذي يقف اليوم على حافة الانهيار الكامل.