بقلم/ أحمد أبو قمر
يكون قرار خفض أسعار الفائدة في الظروف الطبيعية، مسألة اقتصادية تقنية تبنى على مؤشرات واضحة مثل التضخم والنمو والبطالة، لكن في إسرائيل تبدو الصورة مختلفة تماما اليوم، إذ تحوّل قرار الفائدة إلى معادلة سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، تجعل بنك إسرائيل أشبه بمن يسير فوق حقل ألغام لا يعرف أين تنفجر الخطوة التالية.
من الناحية النظرية، تبدو كل الظروف مهيأة لخفض أسعار الفائدة، التضخم يتراجع تدريجيا والشيكل يسجل ارتفاعا قويا أمام الدولار، ما خفض أسعار السلع المستوردة وساهم في تهدئة الضغوط السعرية.
ليس كذلك فحسب، بل إن بعض التقديرات بدأت تتحدث عن خطر معاكس تماما وهو الانكماش، أي هبوط الأسعار إلى مستويات تقل عن النطاق المستهدف للحكومة، وهذه مفارقة لافتة لأن إسرائيل كانت قبل أقل من عامين تواجه موجة تضخم حادة وتراجعا قويا في قيمة العملة.
لكن الاقتصاد الإسرائيلي لا يتحرك في فراغ، فالحرب مع إيران والتوترات الإقليمية المستمرة تجعل أي قرار اقتصادي محفوفا بالمخاطر.
صحيح أن التضخم يبدو تحت السيطرة اليوم، إلا أن أي تصعيد جديد في الخليج أو اضطراب في إمدادات النفط قد يعيد موجة ارتفاع الأسعار خلال أيام.
ولهذا، يخشى بنك إسرائيل من أن يؤدي خفض الفائدة الآن إلى إشعال تضخم جديد إذا تبدلت الظروف الجيوسياسية فجأة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الوضع الاقتصادي الداخلي، النمو يتباطأ بوضوح والاستهلاك الخاص يتراجع والقطاع العقاري يعاني من الركود بينما تواجه الشركات تكاليف تمويل مرتفعة في ظل أسعار فائدة تعد من الأعلى في الاقتصادات الغربية.
كما أن استمرار الحرب واستدعاء قوات الاحتياط أضعفا نشاط الأعمال وأدخلا الاقتصاد في حالة إنهاك مستمرة، لذلك تبدو الحاجة إلى خفض الفائدة ملحة لدعم الاستثمار وتحريك السوق.
المعضلة الحقيقية هنا أن بنك إسرائيل لا يحاول فقط موازنة التضخم والنمو إنما يسعى أيضا للحفاظ على الاستقرار المالي وسط بيئة سياسية مضطربة.
فالحكومة تتجه نحو سياسة إنفاق توسعية مع اقتراب الانتخابات والعجز المالي مرشح للارتفاع بينما تتزايد الضغوط الشعبوية لزيادة الإنفاق العام. وفي مثل هذه الظروف يخشى البنك المركزي أن يظهر بمظهر "المتساهل" إذا خفض الفائدة بسرعة.
ولذلك، ما يحدث اليوم يكشف حقيقة مهمة في الاقتصاد الحديث، وهي أن البنوك المركزية لم تعد تدير الأرقام فقط بل تدير المخاطر أيضا.
وفي حالة إسرائيل، يتضح أن الخطر الأكبر ليس التضخم وحده بل حالة الضبابية الشاملة التي تجعل المستقبل غير قابل للتوقع. وبذلك يتحول قرار الفائدة من مجرد أداة اقتصادية إلى اختبار لقدرة صنّاع القرار على الحفاظ على توازنها وسط الحرب والسياسة والتقلبات العالمية.

