غزة/ الاقتصادية
تواجه البيئة في قطاع غزة تدميراً شاملاً وغير مسبوق جراء الحرب المستمرة، حيث تجاوزت الآثار الكارثية للعمليات العسكرية الأبعاد الإنسانية والاقتصادية المباشرة لتضرب العمق الحركي للنظام البيئي (المياه، التربة، الهواء، والشواطئ). ولم تعد الأزمة تقتصر على الدمار المرئي، بل تحولت إلى "إبادة بيئية" (Ecocide) تهدد بجعل القطاع منطقة غير صالحة للحياة البشريّة لعقود قادمة، مع تكاليف إعادة إعمار بيئي تُقدّر بمليارات الدولارات.
أولاً: الأضرار البيئية المباشرة (الدمار الهيكلي الفوري)
تمثلت الأضرار المباشرة في السحق الكامل للبنية التحتية البيئية والمدنية نتيجة القصف الجوي والمدفعي الكثيف، وتظهر الأرقام الأممية الحديثة حجم الكارثة:
* أزمة الأنقاض والركام السيادي: تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى تراكم أكثر من 61 مليون طن من الركام والحطام (بمعدل يتجاوز 150 كيلوغراماً لكل متر مربع في القطاع). هذه الكمية تزيد بنحو 20 ضعفاً عن إجمالي الحطام المتولد في جميع النزاعات بالقطاع منذ عام 2008، وتتجاوز بخمسة أضعاف ركام معركة الموصل في العراق.
- النفايات الصلبة الخطرة: تراكم أكثر من 330 ألف طن من النفايات الصلبة في المناطق المأهولة ومحيط مراكز النزوح، مما خلق بؤراً لانتشار الأوبئة والغازات الدفيئة، ناهيك عن اختلاط الأنقاض بمواد شديدة السمية مثل "الأميبست" (الأسابستوس) والمعادن الثقيلة، والذخائر غير المنفجرة.
* الانهيار الكامل لمنظومة الصرف الصحي: تدمير محطات معالجة مياه الصرف الصحي الخمس الرئيسية في القطاع، مما تسبب في تدفق مئات آلاف الأمتار المكعبة من المياه العادمة غير المعالجة يومياً إلى الشوارع والأراضي الزراعية وشواطئ البحر الأبيض المتوسط.
ثانياً: الأضرار غير المباشرة (تداعي القطاعات الحيوية)
أفرز الانهيار الهيكلي المباشر سلسلة من الأزمات غير المباشرة التي تضرب الحياة اليومية للسكان وتُعطل أي فرصة للاستدامة البيئية:
1. تدمير القطاع الزراعي والأمن الغذائي
وفقاً لبيانات الاستشعار عن بُعد للأمم المتحدة، فقد القطاع غطاءه النباتي بشكل شبه كامل:
* تدمير 97.1% من المحاصيل الشجرية (أشجار الزيتون والحمضيات تاريخية الإرث).
* تدمير 82.4% من المحاصيل السنوية و95% من الأراضي الشجرية والشجيرات.
* تجريف التربة وضغطها بفعل الآليات العسكرية الثقيلة، مما أفقدها بنيتها الحيوية وقدرتها على الإنبات، وجعل إنتاج الغذاء على نطاق واسع أمراً مستحيلاً، مسبباً مجاعة حقيقية.
2. الكارثة المائية والصحية
* انخفاض القدرة الاستيعابية لخزانات المياه ومحطات الضخ بنسبة 84%، حيث لم يعد يعمل سوى عدد ضئيل جداً من المنشآت المائية المتهالكة.
* أدى اختلاط مياه الصرف الصحي ومخلفات الحروب بخزان المياه الجوفي (الساحلي) إلى تلوثه بالكامل.
* الأثر الصحي: تسببت الكارثة البيئية والمائية في قفزة مرعبة للأمراض؛ حيث ارتفعت حالات الإسهال الحاد بمعدل 36 ضعفاً، والتهاب الكبد الوبائي (أ) بمعدل 384 ضعفاً مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
ثالثاً: الآثار المتبقية بعيدة المدى والمستدامة (التحدي العابر للأجيال)
هناك أضرار بيئية غير مرئية حالياً، لكنها ستستمر في إلقاء ظلالها القاتمة لعدة أجيال قادمة:
* تسمم الخزان الجوفي طويل الأجل: تسرب المواد الكيميائية السامة والمعادن الثقيلة (كالرصاص، والزئبق، واليورانيوم المنضب، والفوسفور الأبيض) الناجمة عن ملايين الأطنان من المتفجرات إلى عمق التربة والمياه الجوفية. هذا التلوث يحتاج إلى عقود من المعالجة المكلفة، وسينعكس مستقبلاً في صورة ارتفاع معدلات السرطان والأمراض المزمنة وتشوهات الولادة.
* مخاطر شبكات الأنفاق وضخ المياه: حذرت التقارير الأممية من أن تدمير شبكات الأنفاق الواسعة، وضخ مياه البحر أو مياه الصرف الصحي داخلها، أدى إلى تملح التربة وتلوث ما تبقى من مصادر عذبة، بالإضافة إلى مخاطر هبوط التربة وعدم استقرار الأراضي لإعادة الإعمار فوقها.
* تسرب معادن الألواح الشمسية: تدمير آلاف الألواح الشمسية (التي كانت تمثل قصة نجاح لغزة في الاعتماد على الطاقة النظيفة) يتسبب حالياً في تسرب مادة الرصاص والمعادن الثقيلة السامة إلى التربة المحيطة.
* تدمير التنوع البيولوجي البحري والبري: القضاء التام على محمية "وادي غزة" الطبيعية الساحلية، وتلوث البيئة البحرية، ما أدى إلى تسمم السلسلة الغذائية البحرية (الأسماك) والقضاء على سبل عيش الصيادين بشكل مستدام.
رابعاً: التقدير المالي والكلفة الاقتصادية للإصلاح البيئي
على الرغم من صعوبة وضع رقم نهائي دقيق بسبب استمرار العمليات العسكرية وصعوبة الوصول الميداني الشامل، إلا أن التقديرات الأولية للبنك الدولي والأمم المتحدة تشير إلى سيناريوهات مالية مرعبة:
تقرير الكلفة والملفات البيئية المتضررة
* إزالة الأنقاض والركام: تُقدر كلفة إزالة، وفرز، وإعادة تدوير أو طمر أكثر من 61 مليون طن من الركام بين 500 مليون إلى 1.2 مليار دولار. وهي عملية قد تستغرق من 7 إلى 15 سنة من العمل المتواصل تحت مخاطر الذخائر غير المنفجرة.
* إعادة بناء قطاع المياه والصرف الصحي:
تتجاوز كلفة إصلاح البنية التحتية المدمرة وشبكات التحلية وضخ المياه العادمة 1.5 مليار دولار كخطوة أولية فقط.
* استصلاح التربة والقطاع الزراعي:
يحتاج إعادة تشجير القطاع واستصلاح التربة الملوثة والمجرفة إلى ميزانيات مرصودة تتجاوز 800 مليون دولار، مع الأخذ بالاعتبار أن جودة التربة لن تعود لطبيعتها إلا بعد عقود.
* التكلفة البيئية الإجمالية غير المباشرة
تشمل التدهور الصحي، وفقدان الإنتاجية، وانبعاثات الكربون الناتجة عن الحرائق وحرق البلاستيك كبديل للغاز، وتُقدر خسائرها التراكمية بمليارات الدولارات على المدى المتوسط والبعيد.
إن الحصيلة البيئية لعامين من الحرب في غزة تكشف أن الكارثة لن تنتهي بتوقف صوت المدافع؛ فالبيئة في غزة تم اغتيالها بطرق تجعل من "الحق في بيئة نظيفة وآمنة" ضرباً من المستحيل دون تدخل دولي طارئ وضخ أموال ضخمة في مسار "الإنعاش البيئي الأخضر". إن التأخر في معالجة ركام غزة، ومياهها الآسنة، وتربتها المسمومة يعني حكماً بالإعدام البطيء على مَن نجا من آلة الحرب العسكرية.
بناءً على التحديثات الصادرة عن المنظمات الدولية (مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP ، البنك الدولي، ومركز الأقمار الصناعية للأمم المتحدة UNOSAT)، فإن تقدير التكلفة المالية لإعادة الوضع البيئي في غزة إلى ما كان عليه قبل الحرب يُعد عملية معقدة وتتطلب ميزانيات ضخمة جداً، نظراً لعمق التدمير وتداخله.
التقرير المالي:
فيما يلي تفصيل مالي وزمني تقديري لحجم التكلفة والوقت اللازم لاستعادة التوازن البيئي:
1. التكلفة المالية التقديرية لإعادة التأهيل البيئي
تُشير التقديرات الدولية الأولية إلى أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة لمعالجة الكارثة البيئية وإعادة الإعمار "الأخضر" تتراوح بين 4.5 مليار إلى 7 مليارات دولار أمريكي، وتتوزع على القطاعات الحيوية التالية:
أ. إدارة وإزالة الأنقاض والنفايات الخطرة
* التكلفة التقديرية: 800 مليون إلى 1.5 مليار دولار.
* طبيعة العمل: فرز وإزالة أكثر من 6 1 مليون طن من الركام.
التكلفة العالية لا تعود فقط للنقل، بل لضرورة فحص الأنقاض بحثاً عن الذخائر غير المنفجرة (UXO) وعزل مادة "الأسبستوس" المسرطنة والمعادن الثقيلة قبل طمرها أو إعادة تدويرها لبناء الطرق.
ب. قطاع المياه وإعادة تأهيل الخزان الجوفي والمياه العادمة
* التكلفة التقديرية: 1.8 مليار إلى 2.2 مليار دولار.
* طبيعة العمل: إعادة بناء محطات تحلية المياه، ومحطات معالجة الصرف الصحي الـ5 الرئيسية، وإصلاح مئات الكيلومترات من الشبكات الناقلة، بالإضافة إلى ضخ استثمارات هائلة لـ "حقن" وتطهير الخزان الجوفي الساحلي الذي تلوث بمياه البحر والمياه العادمة.
ج. استصلاح التربة والقطاع الزراعي والتنوع البيولوجي
* التكلفة التقديرية: 1 مليار إلى 1.3 مليار دولار.
* طبيعة العمل: إزالة التربة السطحية الملوثة بالمواد الكيميائية العسكرية، وتفكيك التربة التي ضغطتها الآليات الثقيلة، وإعادة زراعة الملايين من أشجار الزيتون والحمضيات والمحاصيل التي أُبيدت بنسبة تتجاوز 80%، فضلاً عن إعادة تأهيل محمية "وادي غزة".
د. الطاقة المتجددة وتنظيف التلوث الكيميائي
* التكلفة التقديرية: 500 مليون إلى 700 مليون دولار.
* طبيعة العمل: التعامل مع مخلفات آلاف الألواح الشمسية والبطاريات المدمرة التي تسربت منها مواد سامة كالرصاص والكادميوم، وإعادة بناء شبكات طاقة نظيفة بديلة لمنع الاعتماد على المولدات الملوثة.
2. الإطار الزمني اللازم لاستعادة الوضع البيئي
التعافي البيئي لا يحدث بقرار سياسي، بل يخضع لدورات الطبيعة وقدرة التربة والمياه على التجدد. يُقسم الخبراء المراحل الزمنية إلى ثلاثة مسارات:
* المرحلة العاجلة (من 1 إلى 3 سنوات):
* التركيز على إزالة الذخائر غير المنفجرة.
* وقف تدفق مياه الصرف الصحي إلى البحر والشوارع عبر حلول إسعافية ومحطات معالجة مؤقلة.
* بدء ترحيل الأنقاض من مراكز المدن لتأمين السكن.
* المرحلة المتوسطة (من 3 إلى 8 سنوات):
* الانتهاء الكامل من معالجة الـ 61 مليون طن من الركام (بمعدل عمل يومي هائل).
* إعادة بناء البنية التحتية المائية المستدامة وصيانة شبكات الصرف الصحي بالكامل.
* البدء في برامج معالجة التربة الزراعية وإعادة التشجير واسع النطاق.
* المرحلة طويلة الأمد (من 10 إلى 20 سنة):
* وهي الفترة التي يحتاجها الخزان الجوفي الطبيعي للتخلص من الملوحة والتلوث الكيميائي العسكري عبر مياه الأمطار والترشيح الطبيعي.
* عودة الحياة البيولوجية البحرية وشواطئ غزة إلى طبيعتها ونظافتها السابقة.
خاتمة:
إن استعادة الوضع البيئي في غزة يتطلب جدولاً زمنياً لا يقل عن 15 عاماً من العمل المتواصل، وميزانية ضخمة تتجاوز 5 مليارات دولار مخصصة فقط للبيئة والمياه (خارج نطاق إعادة بناء البيوت والمستشفيات). وبدون تدفق مالي دولي فوري وخطة تحت إشراف أممي، ستبقى البيئة في غزة "قنبلة موقوتة" تهدد حياة الأجيال القادمة بالأمراض والتسمم حتى بعد توقف الحرب.

