اليوم السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦م

ضرورة البدء الفوري بإعادة إعمار قطاع غزة: رؤية نحو التعافي الحضري

اليوم, ١١:١٠:٤٥ ص
إعمار قطاع غزة
الاقتصادية

بقلم_ م. محمد حسين العسكري /خبير البنية التحتية والإسكان

تشير التقديرات الأولية إلى حجم دمار غير مسبوق شهده قطاع غزة خلال حرب الإبادة المستمرة منذ عام 2023، حيث تعرضت مختلف القطاعات السكنية والخدمية والاقتصادية لأضرار واسعة النطاق. فقد تم تدمير أكثر من 450 ألف وحدة سكنية بشكل كلي أو جزئي، ما أدى إلى تشريد مئات الآلاف من الأسر وفقدانها لمساكنها. كما تعرضت ما يقارب 80% من البنية التحتية لأضرار جسيمة شملت شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والكهرباء، الأمر الذي أدى إلى انهيار شبه كامل في قدرة المدن والأحياء السكنية على أداء وظائفها الطبيعية.
ولم يقتصر الدمار على المساكن والبنية التحتية، بل امتد إلى القطاعات الاقتصادية والإنتاجية، حيث تعرض القطاع الصناعي لدمار واسع أدى إلى شلل شبه كامل في قدرته الإنتاجية والتشغيلية، فيما تضرر القطاع الزراعي بما يزيد على 90% نتيجة تدمير الأراضي الزراعية وشح الموارد وتعطل سلاسل الإنتاج، الأمر الذي فاقم أزمة الأمن الغذائي وزاد مستويات الاعتماد على المساعدات الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
إلى جانب ذلك، يعيش القطاع أزمة إيواء خانقة، حيث تنتشر مئات مراكز النزوح التي تعتمد على الخيام أو الحلول المؤقتة التي لا توفر الحد الأدنى من شروط الحياة الإنسانية الكريمة، وتحولت إلى بيئات غير صالحة للاستقرار البشري على المدى الطويل.
ومن أخطر تداعيات هذا الدمار تراكم أكثر من ستين مليون طن من الركام الذي غطى المدن والطرقات والمناطق السكنية، والذي يشكل عائقًا رئيسيًا أمام أي عملية تعافٍ أو إعادة إعمار ويعيق الوصول الآمن إلى المراكز الحيوية وقلب الأحياء السكنية ووصول الخدمات الأساسية، فضلًا عن المخاطر البيئية والصحية الناتجة عن اختلاطه بمختلف أنواع المخلفات.
كما لا يمكن إغفال التحدي المتفاقم المرتبط بتراكم النفايات الصلبة والمنزلية في مختلف مناطق قطاع غزة، حيث أدى انهيار منظومة الخدمات البلدية وتدمير آليات الجمع والنقل إلى انتشار النفايات داخل الأحياء السكنية ومحيط مراكز الإيواء والطرق العامة. ولا يقتصر أثر هذا التراكم على الجوانب الخدمية أو البيئية فحسب، بل يمثل تهديدًا صحيًا مباشرًا نتيجة ارتفاع احتمالات انتشار الأوبئة والأمراض المعدية وتلوث التربة ومصادر المياه الجوفية. وفي ظل غياب أنظمة تشغيل ومعالجة منتظمة، أصبحت إدارة النفايات جزءًا أساسيًا من ملف إعادة الإعمار، بما يتطلب خططًا عاجلة لإعادة تشغيل البلديات وتوفير المعدات والآليات وإنشاء مواقع معالجة مؤقتة للحد من تفاقم الكارثة البيئية والصحية.
وفي السياق ذاته، يبرز عامل الزمن باعتباره عنصرًا مهمًا في تقييم حجم الكارثة. فالحرب التي ما تزال مستمرة في عامها الثالث جعلت الحديث عن التعافي أكثر تعقيدًا. وحتى وفق المفاهيم الإنسانية المرتبطة بمرحلة "التعافي المبكر"، والتي يفترض أن تبدأ خلال الأشهر الستة الأولى من توقف الحرب، فإن قطاع غزة تجاوز هذه المرحلة دون تحقيق تقدم فعلي. وقد مضى نحو سبعة أشهر دون تحسن ملموس في مسار التعافي المبكر، سواء على مستوى فتح وصيانة الطرق الرئيسية أو ترميم المستشفيات والمراكز الصحية أو إعادة تأهيل المرافق التعليمية الأساسية حيث لا يزال أكثر من 60% من مساحة القطاع غير مسموح الوصول اليها .
بل إن الواقع يشير إلى استمرار التدهور في مختلف القطاعات الحيوية، حيث تعرضت المنظومة الصحية لانهيار شبه كامل نتيجة تدمير المستشفيات ونقص الإمكانيات، كما انهارت المنظومة التعليمية بصورة غير مسبوقة، ما أدى إلى انقطاع المسار الدراسي لمئات الآلاف من الطلبة وحرمانهم من حقهم في التعليم، في واحدة من أخطر الأزمات التعليمية في العصر الحديث.
وأصبحت أجزاء واسعة من قطاع غزة غير صالحة للاستخدام الفعلي، مما أدى إلى تركز السكان في مساحة محدودة ومكتظة تفتقر إلى مقومات الاستقرار والأمان. كما لا يمكن تجاهل الانهيار الكبير في قطاع المواصلات، حيث تقطعت الروابط بين شمال القطاع وجنوبه وبين المدن المختلفة، الأمر الذي عمق العزلة الاجتماعية والاقتصادية وأضعف قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
إلى جانب ذلك، يبرز تأخر دخول اللجنة الإدارية المكلفة بملف إعادة الإعمار إلى قطاع غزة، وهي الجهة المفترض أن تقود عملية إعادة الإعمار وتنسق أولوياتها وتديرها. إن استمرار هذا التأخير يحد من القدرة على إطلاق مسار إعمار منظم وفعال، ويترك العملية دون مرجعية تنفيذية واضحة قادرة على تحويل الاحتياجات المتزايدة إلى خطط ومشاريع قابلة للتنفيذ.
إن استمرار هذا الواقع دون تدخل جاد يعني ترسيخ الانهيار وتحويل الأزمة إلى حالة دائمة من التدهور الإنساني والتنموي. لذلك فإن المطلوب اليوم يتجاوز الإغاثة المؤقتة نحو مسار شامل وفوري لإعادة الإعمار يبدأ برفع القيود عن إدخال مواد البناء، وإزالة الركام، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتمكين اللجنة الإدارية من مباشرة عملها داخل القطاع.
كما تجدر الإشارة إلى وجود أكثر من سبعة عشر خطة دولية لإعادة إعمار قطاع غزة، في ظل غياب خطة وطنية فلسطينية موحدة. ويؤدي تعدد الخطط والمبادرات دون إطار وطني جامع إلى مخاطر ازدواجية الجهود وتشتت الموارد وتأخير تنفيذ المشاريع ذات الأولوية، الأمر الذي يفرض ضرورة الإسراع في توحيد الرؤى والمبادرات ضمن خطة وطنية شاملة لإعادة إعمار القطاع.
ويجب أن تنطلق هذه الخطة من مبدأ أن إعادة إعمار غزة ليست مجرد إعادة بناء لما تم تدميره، بل فرصة تاريخية لإعادة تخطيط المناطق السكنية وتنظيم النسيج العمراني وتحسين جودة الحياة وتطوير البنية التحتية وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود. وبمعنى آخر، يجب أن يكون الإعمار أفضل مما كان عليه القطاع قبل الدمار، لا مجرد إعادة إنتاج للواقع السابق بكل تحدياته ومشكلاته.

ومن منظور هندسي وفني، فإن أي عملية إعادة إعمار ناجحة يجب أن تستند إلى بيانات موثقة ومنهجيات شفافة وقابلة للتحقق، وبمشاركة جهات تقييم دولية معتمدة. كما يجب التعامل مع الركام باعتباره موردًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يمكن إعادة تدوير جزء كبير منه واستخدامه في مشاريع البنية التحتية والإنشاءات، بما يسهم في خفض تكاليف الإعمار وتقليل الأثر البيئي.
كما أن الانطلاق الحقيقي في هذا المسار يتطلب إدخال مئات المعدات والآليات الهندسية الثقيلة، وتوفير وحدات سكنية مؤقتة مثل الكرفانات والوحدات مسبقة الصنع، لإنهاء معاناة أكثر من 1.5 مليون نازح يعيشون في الخيام وبين الركام، إلى جانب السماح بإدخال مواد البناء اللازمة لترميم المنازل والمرافق الصحية والتعليمية المتضررة جزئيًا.

ولا يمكن لأي إطار لإعادة الإعمار أن يحقق الاستدامة دون شراكة حقيقية مع الخبرات والكفاءات الفلسطينية من مهندسين ومخططين وبلديات وجامعات ومؤسسات مهنية، باعتبارها الأكثر معرفة بواقع القطاع واحتياجاته العمرانية والتنموية.

إن إعادة إعمار غزة أصبحت ضرورة وطنية وإنسانية تفرضها متطلبات الصمود، وتتطلب توحيد الجهود ضمن رؤية شاملة تضع الإنسان الفلسطيني في مركز التعافي وتحول الدمار إلى فرصة لبناء قطاع غزة من جديد بأكثر عدالة واستدامة وقدرة على الصمود.