اليوم السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦م

تكلفة البقاء.. كم تبلغ تكاليف المعيشة الشهرية للأسرة في غزة؟

اليوم, ١١:٢٠:٣٥ ص
أرشيفية
الاقتصادية

بقلم: محمود القشاش

في الظروف الطبيعية تُقاس الأزمات الاقتصادية بمؤشرات التضخم والبطالة وتراجع النمو، لكن في قطاع غزة خلال عام 2026 تجاوزت الأزمة كل التعريفات الاقتصادية التقليدية، ودخلت الأسر الفلسطينية مرحلة يمكن وصفها بـ “اقتصاد البقاء”، حيث أصبح الحصول على الخبز والمياه وغاز الطهي معركة يومية تستنزف ما تبقى من قدرة الأسر على الصمود.

لم تعد الأسرة الغزية تفكر في الادخار أو تحسين مستوى المعيشة أو حتى تلبية الاحتياجات الاجتماعية الأساسية، بل بات همّها الأول هو تأمين الحد الأدنى من الطعام والطاقة اللازمة للطهي، في ظل انهيار شبه كامل للقدرة الشرائية، وانعدام فرص العمل، واعتماد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية.

وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 77% من سكان قطاع غزة، أي ما يقارب 1.6 مليون إنسان، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2026، فيما يعتمد أكثر من مليون شخص بشكل مباشر على المساعدات الغذائية الشهرية.

 

تكلفة البقاء.. أرقام صادمة للأسرة الواحدة

 

إذا افترضنا أسرة فلسطينية مكونة من 6 أفراد، تعيش في خيمة أو منزل متضرر وتعتمد جزئيًا على المساعدات، فإن الحد الأدنى لتكاليف البقاء الشهري أصبح يتراوح بين 510 إلى 890 دولارًا شهريًا، دون احتساب تكاليف الإيجار أو إعادة الإعمار أو الاحتياجات الطارئة.

وتتوزع هذه التكلفة على النحو التالي:

•       الدقيق والخبز: من 120 إلى 180 دولارًا شهريًا.

•       الأرز والبقوليات والمعلبات: من 100 إلى 150 دولارًا.

•       المياه الصالحة للشرب والاستخدام: من 60 إلى 120 دولارًا.

•       غاز الطهي أو بدائل الحطب: من 150 إلى 200 دولارًا.

•       الخضروات والاحتياجات الأساسية: من 70 إلى 250 دولارًا.

•       الأدوية والمستلزمات الصحية: من 50 إلى 120 دولارًا.

أي أن الأسرة تحتاج في الحد الأدنى إلى ما يقارب 2500 شيكل شهريًا فقط لتأمين احتياجات البقاء الأساسية، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من غياب الدخل المنتظم أو الاعتماد على تحويلات مالية محدودة وغير مستقرة.

 

تضخم المجاعة.. عندما يتحول الغذاء إلى عبء اقتصادي

 

أحد أخطر مظاهر الأزمة الحالية يتمثل في ما يمكن وصفه بـ “تضخم الندرة”، حيث لا ترتفع الأسعار بسبب زيادة الطلب الطبيعي، بل نتيجة نقص السلع وصعوبة دخولها وارتفاع تكاليف النقل والتخزين.

كما ارتفعت أسعار:

•       الزيت النباتي

•       اللحوم و مشتقاتها إلى أكثر من عشرة أضعاف أسعارها السابقة.

•       الخضروات الأساسية إلى مستويات تفوق قدرة الأسر الفقيرة.

هذا الارتفاع الحاد أدى إلى تراجع التنوع الغذائي للأسر بشكل خطير، حيث أصبحت آلاف العائلات تعتمد على الخبز والمعلبات فقط، مع انخفاض استهلاك البروتينات والخضروات الطازجة، ما يهدد بارتفاع معدلات سوء التغذية خاصة بين الأطفال.

غاز الطهي.. أزمة الطاقة التي تضاعف معاناة الأسرة

لم تعد أزمة غاز الطهي مجرد أزمة خدمات، بل تحولت إلى عبء اقتصادي وصحي واجتماعي مركب.

فالقطاع يحتاج شهريًا إلى نحو 8 آلاف طن من غاز الطهي، بينما لا تدخل سوى كميات محدودة لا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياج الفعلي، الأمر الذي دفع آلاف الأسر إلى العودة لاستخدام الحطب والكرتون والبلاستيك للطهي.

وبحسب تقديرات ميدانية، فإن الأسرة قد تحتاج إلى ما بين 1–2 كيلوغرام من الحطب يوميًا، بتكلفة شهرية تصل إلى 330–780 شيكل، وهو رقم مرهق للغاية مقارنة بانعدام مصادر الدخل.

كما أن استخدام الحطب والبلاستيك تسبب في:

•       ارتفاع الأمراض التنفسية.

•       إنهاك النساء والأطفال في جمع الوقود البديل.

•       زيادة المخاطر الصحية داخل الخيام والمنازل المدمرة.

•       تقليل عدد الوجبات اليومية بسبب صعوبة الطهي.

 

فجوة خطيرة بين الدخل والاحتياجات

تكمن الكارثة الاقتصادية الحقيقية في اتساع الفجوة بين تكلفة البقاء والدخل المتاح للأسرة.

فالحد الأدنى لاحتياجات الأسرة قد يتجاوز 700 دولار شهريًا، بينما تعيش آلاف الأسر على أقل من 100–200 دولار شهريًا، تأتي غالبًا من:

•       مساعدات إنسانية.

•       تحويلات خارجية.

•       ديون متراكمة.

•       مساعدات الأقارب.

وهذا الواقع دفع كثيرًا من الأسر إلى:

•       تقليل عدد الوجبات.

•       بيع الممتلكات الشخصية.

•       الاعتماد على الخبز فقط.

•       الاستدانة المستمرة.

•       الاستغناء عن العلاج والتعليم.

اقتصاد غزة يتحول إلى اقتصاد إغاثي

الاقتصاد الغزي في 2026 لم يعد اقتصاد إنتاج أو استهلاك طبيعي، بل أصبح اقتصادًا إغاثيًا يعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الدولية.

 

فالأسرة الفلسطينية لم تعد تنفق على التنمية أو تحسين الحياة، بل تركز إنفاقها على أربعة عناصر فقط:

•       الخبز.

•       المياه.

•       الطهي.

•       الدواء.

وفي حال استمرار القيود على دخول الغذاء والطاقة، فإن قطاع غزة قد يدخل مرحلة “العجز الغذائي الكامل”، حيث تصبح المساعدات الخارجية المصدر الوحيد لبقاء السكان.

إن ما يحدث اليوم لا يمثل مجرد أزمة معيشية مؤقتة، بل تحوّلًا خطيرًا في بنية الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني داخل غزة، حيث تتآكل قدرة الأسرة على الصمود تدريجيًا تحت ضغط الجوع والطاقة والفقر، في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم المعاصر.