تسعى واشنطن جاهدة لتحويل مليارات الدولارات من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل إلى "مجلس السلام"، المكلّف بتمويل خطة ترامب لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار، رغبةً في إقناع رام الله بتحويل جزء من هذه العائدات للجنة تكنوقراط تدير قطاع غزة مؤقتاً.
وتشترط الإدارة الأمريكية تسليم السلطة الفلسطينية زمام إدارة القطاع مستقبلاً بإنجاز حزمة إصلاحات جوهرية، في وقت يبدي فيه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش رفضاً قاطعاً للإفراج عن العائدات، وسط توقعات بجمود هذا الملف المالي المعقد حتى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وفي السياق ذاته، كشفت مصادر لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن محادثات تجريها واشنطن مع السلطة لترميم العلاقات الثنائية المتوترة، في خطوة تسعى عبرها إدارة ترامب لكسب تعاون رام الله وتمرير مبادراتها السياسية التاريخية الرامية إلى إعادة ترتيب المنطقة برمتها.
وتحظى جهود الإصلاح الفلسطيني بمرافقة ودعم من المملكة العربية السعودية، التي ترى في هذه الخطوة مساراً استراتيجياً ضرورياً لإرساء أسس إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو التوجه الذي تبنته إدارة ترامب كمتمم لمساعيها الرامية لتوسيع نطاق اتفاقيات إبراهيم.
وتبحث اللقاءات المستمرة منذ أشهر صياغة مسودة تفاهمات تجدد التزام الطرفين بخطة ترامب، لا سيما البندين المتعلقين بحق تقرير المصير وإطلاق مفاوضات السلام، بمجرد الانتهاء من إصلاح المنظومتين التعليمية والاجتماعية الفلسطينية ومكافحة ما يسمى بالتحريض.
وأبدت واشنطن استعداداً مشروطاً لرفع العقوبات عن السلطة وإعادة فتح بعثتها الدبلوماسية، بينما طالبت رام الله بضمانات لوقف التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين بالضفة، مقابل وقف مساعيها لتدويل الصراع والانسحاب من القضايا المرفوعة بالمحافل القانونية الدولية.
ويقود هذه المحادثات عن الجانب الفلسطيني حسين الشيخ، وعن الجانب الأمريكي أرييه لايتستون وسكوت ليث بمشاركة دورية من جاريد كوشنر وتوني بلير، في حين تباطأت النقاشات مؤخراً وسط مقترحات باستبدال المذكرة الرسمية برسائل متبادلة مع ماركو روبيو.
ويعزى التردد الأمريكي في توقيع مذكرة رسمية إلى الضغوط الإسرائيلية التي تشكك في جدية الإصلاحات، وخاصة ما يتعلق ببرنامج رعاية أسر الأسرى والشهداء، رغم إعلان رام الله مطلع عام 2025 تحويله بالكامل إلى نظام تكافل اجتماعي مالي مستحدث.
ورغم تقديم الخارجية الأمريكية تقريراً للكونغرس يشكك في آليات الصرف الجديدة بناءً على رواية تل أبيب، أكد دبلوماسيون غربيون أن التدقيق المستقل أثبت التزام السلطة بالمعايير، وسط مخاوف فلسطينية من تبني ترامب للشروط الإسرائيلية الأكثر تشدداً.
ويزيد المشهد تعقيداً وجود عناصر داخل الإدارة الأمريكية تفضل انهيار السلطة الفلسطينية على إصلاحها، يقابلها تيار واقعي يدرك أهميتها الميدانية والسياسية، خاصة بعد دعم رام الله لقرار مجلس الأمن الدولي المؤيد لرؤية ترامب الإقليمية الشاملة.

