رام الله - الاقتصادية:
كشف تحليل مالي حديث لمنصة "المنقبون" عن مفارقة لافتة في القطاع المصرفي الفلسطيني؛ فبينما تحولت أزمة تكدس الشيكل لأبرز التحديات خلال العامين الماضيين، حملت الأزمة أثراً مالياً إيجابياً تمثل في خفض كلفة الودائع بصورة ملموسة. ووفقاً للتحليل، تراجعت كلفة الودائع بعملة الشيكل لدى البنوك من نحو 1% في ذروة المنافسة على السيولة خلال السنوات الماضية، لتصل إلى قرابة 0.6% حالياً، مسجلة انخفاضاً يقارب النصف.
ويأتي هذا التراجع الحاد في وقت يواجه فيه القطاع المصرفي أزمة متفاقمة ناجمة عن تراكم فائض الشيكل داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني بشكل كبير. وتعود هذه الأزمة أساساً إلى القيود الصارمة والمستمرة التي يفرضها الجانب الإسرائيلي على شحن العملة الورقية إلى الخارج، أو إعادة ترحيلها وفائضها إلى بنك إسرائيل، مما تسبب في احتجاز سيولة ضخمة غير مستغلة.
وتشير البيانات الرسمية للقطاع المصرفي إلى أن إجمالي الودائع بالشيكل لدى البنوك الفلسطينية بلغ حتى نهاية مايو/أيار 2026 نحو 28.7 مليار شيكل، أي ما يعادل 9.3 مليار دولار. وتشكل هذه القيمة المرتفعة ما نسبته 39.5% من إجمالي ودائع القطاع المصرفي الإجمالية، بينما تتوزع النسبة المتبقية من المدخرات بشكل رئيسي بين عملتي الدولار الأميركي والدينار الأردني.
وتقدّر منصة "المنقبون"، استناداً إلى أرقام الودائع، أن هذا الانخفاض في الكلفة قد يوفر للقطاع المصرفي ما يقارب 140 مليون شيكل سنوياً مقارنة بمستويات الكلفة السابقة. ويعد هذا الوفر المالي الكبير مبلغاً كفيلاً بدعم الأرباح الصافية وتعزيز الهوامش التشغيلية للبنوك، خاصة مع تراجع وتيرة وحجم حملات جوائز حسابات التوفير التي كانت تطلقها البنوك لجذب المودعين.
ويرتبط تراجع كلفة الودائع بعدة عوامل أساسية، أبرزها وفرة السيولة المحلية وتراكم مليارات الشواكل، مما قلل حاجة البنوك لاستقطاب أموال جديدة عبر رفع الفوائد. كما ساهم تباطؤ النشاط الاقتصادي العام، والتشدد المصرفي الواضح في منح الائتمان، وتراجع الطلب على القروض في بعض القطاعات، في تخفيف الضغوط التنافسية بين البنوك على جذب السيولة بالشيكل.
ويعني انخفاض كلفة الأموال أن البنوك أصبحت قادرة على الحفاظ على هوامش ربحية أعلى، حتى في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي الراهن وارتفاع المخاطر الائتمانية. فكل انخفاض في كلفة الودائع ينعكس مباشرة بالإيجاب على صافي دخل الفوائد المقبوضة، والذي يشكل بدوره المصدر الرئيسي والركيزة الأساسية لإيرادات وأرباح البنوك الفلسطينية كافة.
ورغم الأثر الإيجابي قصير الأجل على الأرباح، فإن استمرار أزمة تكدس الشيكل لا يخلو من المخاطر الجسيمة على المدى البعيد للنظام المصرفي. فالفوائض الكبيرة تعني تجميد جزء هام من أموال البنوك في أصول عديمة العائد، فضلاً عن رفع تكاليف التخزين والتأمين، وإجبار البنوك على فرض قيود على الإيداعات النقدية، مما يؤثر سلباً على حركة التجارة.

