اليوم الخميس ٠٢ يوليو ٢٠٢٦م

مجلس الذهب العالمي يكشف عن توقعاته لأسعار المعدن الأصفر

اليوم, ٣:٠١:٥٤ م
الذهب
الاقتصادية

وكالات/ الاقتصادية

رسم مجلس الذهب العالمي للمرة الأولى توقعًا سعريًا مباشرًا لمسار الذهب حتى نهاية العام، متوقعًا أن يتحرك المعدن النفيس بالقرب من مستوى 4100 دولار للأونصة في ظل المعطيات الحالية للأسواق العالمية، في تحول لافت في منهجية المجلس، الذي اعتاد في تقاريره السابقة الاكتفاء بعرض سيناريوهات واحتمالات الصعود والهبوط دون تحديد مستوى سعري بعينه.

وأوضح المجلس، في تقريره الصادر أمس الأربعاء، أن النصف الثاني من عام 2026 سيكون مرحلة حاسمة بالنسبة لسوق الذهب، في ظل استمرار حالة الضبابية التي تفرضها التطورات الجيوسياسية، ومسار أسعار الفائدة العالمية، وتحولات معنويات المستثمرين، بعد عام بدأ بتقلبات حادة وغير مسبوقة في العديد من الأسواق.

ويعكس إصدار توقع سعري محدد قناعة المجلس بأن الأسواق أصبحت تمتلك رؤية أوضح نسبيًا بشأن المتغيرات الرئيسية التي تحكم حركة الذهب، رغم استمرار المخاطر التي قد تدفع الأسعار بعيدًا عن هذا المستوى في حال حدوث مفاجآت اقتصادية أو جيوسياسية كبيرة.

 

عام متقلب.. الحرب والفائدة أعادتا رسم خريطة الذهب

أشار التقرير إلى أن التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الإيرانية، كانت المحرك الأكبر لأداء الذهب خلال النصف الأول من العام، بعدما عززت الطلب على المعدن النفيس باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات.

وأضاف أن حركة الأسعار لم تكن مرتبطة بالعوامل الجيوسياسية فقط، بل تأثرت أيضًا بعمليات إعادة تمركز المستثمرين وجني الأرباح بعد موجة الصعود القياسية، في وقت لعبت فيه توقعات أسعار الفائدة الأمريكية وتحركات الدولار دورًا متغيرًا في التأثير على أداء المعدن الأصفر، مع استمرار الأسواق في إعادة تسعير السياسة النقدية العالمية.

ويؤكد التقرر أن العلاقة بين الذهب وأسعار الفائدة أصبحت أكثر تعقيدًا خلال الفترة الأخيرة، إذ لم يعد تأثير السياسة النقدية وحده كافيًا لتفسير تحركات الأسعار، في ظل تزايد وزن المخاطر السياسية والاقتصادية العالمية.

 

تقلبات تاريخية بعد قمم غير مسبوقة

شهد الذهب واحدة من أكثر الفترات تقلبًا في تاريخه الحديث، بعدما سجل أكثر من 12 مستوى قياسيًا جديدًا خلال الأشهر الأولى من العام، وبلغ ذروة تاريخية عند 5405 دولارات للأونصة في أواخر يناير.

لكن هذه المكاسب لم تستمر طويلًا، إذ تعرض المعدن النفيس لموجة تصحيح قوية دفعت الأسعار إلى الهبوط حتى مستوى 4002 دولار للأونصة خلال يونيو، في انعكاس واضح لتغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة وقوة الدولار.

وأسفرت هذه التحركات الحادة عن انخفاض الذهب بنحو 7% منذ بداية العام، في حين ارتفع متوسط التقلبات إلى نحو 30%، وهو مستوى يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية.

وتزامن ذلك مع استمرار الضغوط البيعية خلال تعاملات الأربعاء، حيث تراجع الذهب للجلسة الثالثة على التوالي مع صعود الدولار، بعدما عززت تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي والتوقعات المتزايدة برفع أسعار الفائدة من قوة العملة الأمريكية، بينما يواصل المستثمرون متابعة تطورات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. وهبط الذهب الفوري إلى ما دون 3980 دولارًا للأونصة، بعد خسائر تجاوزت 2% خلال الجلستين السابقتين، ليسجل أدنى مستوياته منذ نوفمبر الماضي.

 

لماذا اختار المجلس مستوى 4100 دولار؟

يرى مجلس الذهب العالمي أن مستوى 4100 دولار للأونصة يمثل السعر الأكثر اتساقًا مع التوقعات الحالية للأسواق، خاصة في ظل ترجيحات تنفيذ الاحتياطي الفيدرالي زيادة واحدة على الأقل في أسعار الفائدة خلال عام 2026، يُتوقع أن تكون بحلول أكتوبر، بالتزامن مع استمرار البنوك المركزية الكبرى في تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، ووصول التضخم الأمريكي إلى ذروته قرب 3.9% خلال الربع الثاني.

وأوضح التقرير أن استمرار هذه البيئة الاقتصادية يعني أن الذهب قد يتحرك ضمن نطاق يزيد أو ينخفض بنحو 5% حول مستوى 4100 دولار حتى نهاية العام، ما يجعل هذا المستوى بمثابة نقطة توازن بين العوامل الداعمة والضاغطة على السوق.

ويعكس هذا السيناريو رؤية المجلس بأن الذهب لن يدخل موجة صعود أو هبوط حادة ما لم تتغير الظروف الاقتصادية بصورة جوهرية، سواء عبر مفاجآت في التضخم أو تغير واضح في توجهات البنوك المركزية.

 

ما أبرز المخاطر التي قد تضغط على الذهب؟

حدد التقرير 3 عوامل رئيسية قد تحد من قدرة الذهب على التعافي خلال النصف الثاني من العام، تتمثل في استمرار قوة الدولار الأمريكي، وقيام الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية برفع أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من المتوقع، إلى جانب تحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم.

وأضاف المجلس أن استمرار التداول دون مستوى 4000 دولار للأونصة قد يفتح الباب أمام موجة بيع إضافية على المدى القصير، خاصة إذا تزامن ذلك مع استمرار ارتفاع العوائد الحقيقية على السندات الأمريكية.

لكن التقرير شدد في المقابل على أن أي تراجع يتجاوز 10% من المستويات الحالية قد يعيد جذب المشترين طويلي الأجل، مستندًا إلى أن التجارب التاريخية أظهرت أن الانخفاضات الكبيرة غالبًا ما تقابلها موجات شراء قوية من المستثمرين الاستراتيجيين حول العالم.

ربط مجلس الذهب العالمي عودة الذهب إلى مسار الصعود بحدوث تغيرات جوهرية في المشهد العالمي، سواء من خلال تصاعد جديد في التوترات الجيوسياسية، أو تباطؤ الاقتصاد العالمي، أو تحول الاحتياطي الفيدرالي نحو سياسة نقدية أقل تشددًا.

وأشار التقرير إلى أن تجاوز الذهب مستوى 4500 دولار للأونصة سيظل مرهونًا بظهور مؤشرات قوية على ضعف النمو الاقتصادي العالمي، بما يدفع المستثمرين للعودة بكثافة إلى الأصول الدفاعية.

كما لفت المجلس إلى أن الجزء الأكبر من حركة الذهب اليومية أصبح يحدث خلال جلسات التداول الآسيوية والأمريكية، وهو ما يعكس تنامي التأثير الذي يمارسه المستثمرون الآسيويون على اتجاهات الأسعار العالمية، بعد أن أصبحوا من أكبر مصادر الطلب على المعدن النفيس.

 

البنوك المركزية تواصل دعم الذهب

أكد التقرير أن مشتريات البنوك المركزية لا تزال تمثل أحد أقوى مصادر الدعم الهيكلي للذهب على المدى الطويل، بعدما لعبت دورًا رئيسيًا في موجة الصعود التي شهدها المعدن خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي تضاعفت خلالها الأسعار بأكثر من مرتين.

وأظهر استطلاع أجراه مجلس الذهب العالمي بالتعاون مع شركة يو غوف وشمل 74 بنكًا مركزيًا، أن 45% من هذه البنوك تعتزم زيادة احتياطياتها من الذهب خلال العام المقبل، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها منذ بدء هذا الاستطلاع في عام 2018، بينما أشار بنك مركزي واحد فقط إلى نيته تقليص حيازاته من المعدن النفيس.

كما كشف استطلاع آخر شمل 66 بنكًا مركزيًا أن غالبية المشاركين يخططون لمواصلة شراء الذهب خلال السنوات الخمس المقبلة، في إشارة إلى استمرار النظر إليه باعتباره أحد أهم الأصول الاستراتيجية في الاحتياطيات الرسمية، خصوصًا في ظل تنامي التوترات الجيوسياسية واتساع المخاوف المرتبطة بالنظام المالي العالمي.

 

الذهب لا يعتمد على الفائدة وحدها

ونقل المجلس عن خوان كارلوس أرتيغاس، الرئيس التنفيذي الإقليمي لمنطقة الأميركيتين والرئيس العالمي للأبحاث بالمجلس، قوله إن أسعار الفائدة ستظل أحد أهم العوامل المؤثرة في الذهب خلال النصف الثاني من العام، إلا أنها ليست العامل الوحيد الذي يحدد اتجاه السوق.

وأوضح أن الذهب تعرض بالفعل لضغوط قوية بالقرب من مستوى 4000 دولار للأونصة خلال العام الجاري، لكنه أظهر في أكثر من مناسبة قدرة على التعافي بدعم من الطلب الطبيعي القادم من المستثمرين طويلي الأجل في مناطق جغرافية متعددة.

وأضاف أن هذه القاعدة الواسعة من المشترين، والتي تضم البنوك المركزية، والمؤسسات الاستثمارية، والمستهلكين حول العالم، تمثل عنصر القوة الحقيقي الذي يمنح الذهب مرونة كبيرة في مواجهة موجات التقلب والضغوط قصيرة الأجل، وهو ما يفسر استمرار احتفاظه بمكانته كأحد أهم الأصول الدفاعية في النظام المالي العالمي.